المحـكمون العرب يرحب بكم حسام الدين منير محام ومحكم ووكيل براءات اختراع عضو اتحاد المحامين العر

اهلا وسهلا بكم في موقعنا المتواضع الذي يشرف بزيارتكم العظيمه له
المحـكمون العرب يرحب بكم حسام الدين منير محام ومحكم ووكيل براءات اختراع عضو اتحاد المحامين العر

موقع قانوني يهتم بكل فئات وفروع القانون وبالاخص الفروع المستحدثه من القوانين مثل التحكيم والملكيه الفكريه


    الاخطار والضمان بالمحاماه

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 168
    نقاط : 464
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 18/06/2009
    العمر : 42

    الاخطار والضمان بالمحاماه

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 23 فبراير 2013, 10:26 am

    رسالة المحاماة‏:‏ الأخطار والضمان‏!:
    فيما عدا رجال الجيوش وقوات الأمن‏,‏ في حالة الاشتباك‏,‏ لا تجد أبناء مهنة يتعرضون لما يتعرض له فرسان المحاماة من محاذير وأخطار تأتيهم في مباشرتهم لرسالتهم من كل جانب‏,‏ ما بين خصم يناويء وينتظر فلتة لسان‏,‏ ونيابة تنظر بغير عين الرضا وتحشد إمكانياتها لمحاصرة ودرء ما يسعي المحامي إليه‏:‏ وما بين موازين عديدة يعملها القاضي يغدو إزاءها المحامي كالقافز فوق الأشواك أو الباحث عن موطيء أمان في حقل ألغام‏!!..‏ ويجري المحامي حسابات هذا كله علي عجل في صفحة وجدانه‏,‏ محتملا فيه مخاطر وضغوطا وفلتات الارتجال‏,‏ وهو قوام المرافعات الشفوية التي يحشد فيها حصاد فكره ودراسته للقضية ومداخل وطرق الاقتراب منها والاقناع بها‏,‏ مراقبا في الجلسة من محيط موزع المشارب تحتشد بهم ساحات الجلسات ما بين راض وكاره وضيق ورافض ومتربص‏,‏ مطالبا وسط هذه الأعاصير بأن يحسن تقديم مسرحيته الاقناعية ـ إن جاز التعبيرـ والتي ينهض وحده بأدوارها الثلاثة‏:‏ فهو مؤلف النص والمخرج‏,‏ والمؤدي أيضا‏..‏ وكثيرا ما ينزل أداؤه علي آخرين منازل الصاعقة محدثا الرفض وربما الكره والعداوة‏,‏ بل كثيرا ما يدفع المحامي ثمن مناضلته لأداء رسالته من مصالحه وحريته وأحيانا حياته نفسها‏!!.‏
    في عام‏1793/1792‏ ـ ومقصلة الثورة الفرنسية تحصد الرقاب والأرواح‏,‏ لا تفرق أو لا تفرق كثيرا بين مذنب وبريء‏,‏ وتتلوث بالدماء صفحتها مع الحرية التي انفجرت من أجلها‏,‏ لا تتهيب المحاماة من أن تقف مؤدية رسالتها في الدفاع حتي عن الملك لويس السادس عشر الذي أجمعت الثورة علي إستئصاله في محاكمة أرادت أن تكون شكلية وتمسك فرسان المحاماة بأداء واجبهم العظيم فيها أيا كانت المخاطر‏.‏
    وقف برييه الكبير يصرخ في وجه محكمة الثورة الفرنسية والمقصلة في عنفوان عملها تحصد عشرات الرءوس كل يوم ليقول للمحكمة عبارته الشهيرة‏:‏ إنني أتقدم إليكم بالحقيقة‏,‏ وبرأسي أيضا‏..‏ فتصرفوا في إحداهما بعد أن تستمعوا للأخري‏!!..‏ بينما ماليزيرب العظيم وقد جاوز السبعين يتقدم من تلقاء نفسه إلي رئيس الجمعية العمومية التي اعتزمت محاكمة لويس السادس عشر ـ بخطاب يقول فيه‏:‏ لا أدري هل المجلس سيعين للويس السادس عشر محاميا يدافع عنه؟ أم أنه سيترك له حرية الاختيار‏.‏ فإن كانت الثانية‏,‏ فإنني أحب أن يصل إلي علم لويس السادس عشر أنه إذا وقع إختياره علي لأداء هذه المهمة فإنني علي إستعداد لأن أبذل في أدائها كامل جهدي‏.‏ لقد دعاني مرتين لأكون وزيرا وقت أن كان ذلك المركز مطمع أنظار الطامعين‏,‏ لذلك أعتقد أنني مدين بالوقوف إلي جواره في الوقت الذي يري الكثيرون ما ينطوي عليه ذلك من تضحية ومجازفة‏!!.‏
    لم يكن ماليزيرب العظيم من أنصار ما كان يجري إبان الملكية الآفلة‏,‏ فهو حبيب للشعب محب للعلم مغرم بالأدب‏,‏ ورفض في المرتين دعوته للاشتراك في مجلس الحكم‏,‏ وتخلي عن المنصب مرتين أخريين‏,‏ وكان من أشد المهاجمين لاساءة إستخدام السلطة‏,‏ المنتصرين لكرامة وإستقلال المحاماة وعلي رأس المطالبين بإلغاء خطابات السجن بغير محاكمة‏..‏ وإلي ذات هذا النظر السامق في إحترام حق الانسان في الدفاع عن نفسه ـ صدر ماليزيرب في إقدامه ومعه مساعده علي الدفاع عن الملك المخلوع‏!!.‏
    لم تمنعه ظروف المحاكمة‏,‏ ولا القاعة الغاصة بأعداء الملك والملكية‏,‏ والجماهير الصاخبة‏,‏ ولا شبح المقصلة المخيم‏,‏ ولا سطوة هيئة المحكمة ـ من أن يخاطب الملك المخلوع بالأدب اللائق بمنصبه الذي كان‏,‏ فعيل صبر المحكمة فقال له رئيسها في غلظة وجفاء‏:‏ من أين لك تلك السلطة التي تخولك أن تدعو لويس كأبيه باللقب الذي ألغيناه؟‏!..‏ لم يهب ماليزيرب أن يقول‏:‏ من ازدرائي لما يجري هنا‏,‏ ومن حياتي كلها‏!‏ إلي جواره وقف دي سيز يقول لمن نصبوا من أنفسهم قضاة ـ خارج الشرعية ـ لمحاكمة لويس السادس عشر‏:‏ إنني أجول ببصري أبحث عن قضاة فلا أجد إلا خصوما‏!!..‏ لم ترهب فارسي المحاماة المقاصل المنصوبة في كل مكان‏,‏ ولا أنهار الدماء الجارية بغير عقل‏,‏ فوقف دي سيز ينادي بأعلي صوته إن الخصم لا يجوز أن يكون حكما‏,‏ وإن القاضي إذا أبدي نظره في القضية المعروضة أمامه لم يعد جائزا له أن ينظرها أو يحكم فيها‏!!..‏ كان الفارسان يعلمان النتيجة المحتومة لهذه الجرأة في أداء رسالة الدفاع‏,‏ ولا يستبعدان أن تحصد المقصلة رأسيهما كما حصدت رءوس غيرهما‏,‏ وقد ـ للأسف ـ كان‏!!!‏ فلم يمض عام علي إعدام لويس السادس عشر حتي أعدم ماليزيرب وأفراد أسرته‏,‏ ولحق به دي سيز جزاء القيام بواجب المحاماة وقربانا لحريتها واستقلالها وفروسيتها‏!‏
    بغض النظر ـ وهو لا يغض‏!‏ ـ عن سقطة الهلباوي في دنشواي التي ظل يدفع ثمنها ما بقي من عمره‏,‏ وبعد رحيله‏,‏ وسقطه بطرس باشا غالي وفتحي بك زغلول اللذين قبلا رئاسة وعضوية المحكمة المخصوصة التي أحالوا إليها‏59‏ متهما‏,‏ وحكمت حكما ظالما نص فيه علي أنه لا يقبل الطعن ـ قضت فيه بإعدام أربعة‏,‏ وبالأشغال الشاقة المؤبدة علي اثنين‏,‏ وبالأشغال الشاقة‏15‏ سنة علي واحد‏,‏ وبالأشغال الشاقة سبع سنين علي ستة‏,‏ وبالحبس سنة مع الشغل علي ثلاثة مع جلدهم خمسين جلدة‏,‏ وبجلد خمسة خمسين جلدة‏,‏ علي أن يتم الاعدام والجلد علي الملأ بقرية دنشواي مقابل ضابط لم يقتله أحد وإنما قتلته ضربة شمس‏!!..‏ يومها وقفت مصر كلها دامعة محزونة إزاء بطش وجبروت الاحتلال‏,‏ بينما نهض أربعة من فرسان المحاماة فلفتوا بدفاعهم أنظار العالم وهزوا الدنيا وأدموا الضمائر‏!!
    لاتصل الحقيقة إلي القاضي سهلة ميسورة‏,‏ بل قد لاتصل اليه علي الإطلاق‏,‏ وقد يقيض لها من طلاب الزيف والبهتان أن يحجبوها حجبا كثيفا‏,‏ وأن يطمسوا عليها ويطمسوا أدلتها‏,‏ وقد يصطنعون أدلة كاذبة للإيحاء بغير الحقيقة‏,‏ بينما القاضي علي منصته العالية ـ مع تقيده بحدود الخصومة ـ غير متاح له أن يطلع علي ماجري ويجري وراء أستار الخفاء‏!‏
    حجب الخفاء لطمس الحقيقة وإدخال الزيف عليها ـ تصاحب الخصومة ربما من منبتها ـ فيحتال رجل الضبط لإهدار الشرعية الإجرائية‏,‏ والافتئات بغير سند مشروع علي حريات ومستودعات أسرار الناس‏,‏ وكثيرا ما يلازم ذلك قبض وتفتيش باطلان‏,‏ أو انتزاع اعتراف بالقسر والضغط والتعذيب والارغام‏,‏ وهي وسائل من المحال معها ان تطمئن عدالة عادل إلي صدق الاعتراف ومطابقته للواقع‏,‏ سيما وهو كريه إلي النفس لا تقبل عليه ـ إن أقبلت‏!‏ ـ إلا مضطرة وتغدو صعوبة إثبات الإكراه للحمل علي الاعتراف في أنه قد يقف عند حد الإكراه المعنوي ولا يتعداه إلي إكراه مادي يمكن ان يترك علامات وقد تعددت فنون الاكراه المادي وابتدعت فيه اساليب شيطانية يتأبي ان تترك أثرا يدل عليها فتغدو مهمة القاضي في جميع هذه الاحوال مهمة بالغة العسر بل والاستحالة لأن التعذيب فضلا عن فنونه المستحدثة ـ يجري علي ملعب فاعليه محدودا بحدود يتحكون فيها مكانا وزمانا وشهودا حتي ليكاد القاضي يحسه ويلمسه ولكنه لا يمسك دليلا عليه‏!!‏ هناك تبدو ويتحكمون ابداعات المحاماة التي تستطيع ان تهدي إلي الحقيقة بجمع الأدلة من مظانها واستخراج الدلالات والقرائن واستنباط المجهول من واقع معلوم يدل عليه ـ علي أن هذه المهمة التي يجاهد المحامي مجاهدة صعبة فيها محفوفة بأخطار الوقوع فيما قد يمسكه عليه رجل الضبط الذي من مصلحته ان يتصيد زلة لسان أو جموح عبارة أو سخونة وصف ـ ليدمغه بالسب والقذف أو البلاغ الكاذب‏!!‏ ومن ثم يعرض المحامي الباذل في اخلاص لمغبة المساءلة الجنائية عما عساه يمسكه عليه في سعيه الدءوب لكشف الحقيقة للقاضي‏!!‏ وليس حال شهود الدعوي بأيسر حالا أو أهون مكابدة في المعالجة من إجراءات الضبط فليس كل الشهود علي شاكلة واحدة أو من معدن واحد منهم الصادق والكاذب ومنهم المستقيم والملتوي ومنهم المتجرد والمغرض ومنهم المحايد والمنحاز ومنهم الأمين والخائن ومنهم البرئ والخبيث وهم علي أشكال شتي واغراض شتي ومعادن شتي بل إن أكثر الناس للحق والانصاف كارهون ولذلك وصفهم القرآن المجيد فقال‏:‏ وأكثرهم للحق كارهون‏(‏ المؤمنون‏70)..‏ ولكن أكثرهم للحق كارهون‏(‏ الزخرف‏78)‏ ومنهم كثمود يستحبون العمي علي الهدي‏(‏ فصلت‏17)‏ ومنهم من يجادل في الباطل ولا يستحيي من الحق كالذين وصفهم القرآن الحكيم فقال‏:‏ يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلي الموت وهم ينظرون‏(‏ الأنفال‏6)‏ ومنهم من لا يريد إلا خداعا‏(‏ البقرة‏9‏ والأنفال‏62)‏ ومنهم من يجترئون علي الكذب والزور ولا يقولون إلا منكرا من القول وزورا‏(‏ الحج‏30,‏ الفرقان‏72,‏ المجادلة‏2)‏ فماذا يفعل القاضي ازاء هذه النوعيات بينما اوصاه القرآن ألا يقبل إلا شهادة ذوي العدل والصدق والاستقامة والامانة فقال عز من قائل‏:‏ وأشهدوا ذوي عدل منكم‏(‏ الطلاق‏2)‏ علي أن حرص القاضي علي الاستشهاد بذوي العدل تقابله ظلال كثيفة علي المحامي بحكم تخففه وتحليقه بعيدا عن القيود الشكلية أن يجليها وجلاؤها يمض ويوجع من يكشف الدفاع ستر كذبه أو خداعه أو ميله أو هواه أو بهتانه أو تزييفه أو تزويره أو انحيازه أو حنثه بيمينه‏,‏ وازاحة الستار عن هذا وذاك محفوفة هي الأخري بالمخاطر يغدو أمامها المحامي كالقافز فوق الأشواك سواء فيما يجب أن يستقصيه ويحصله ويفسره ويكيفه أم فيما يلقيه أمام النيابة أو القضاء من قول وحجة وبرهان لاثبات ما يمسكه علي الشاهد ويعريه به‏..‏ وهذا بدوره باب ملئ بالمخاطر والألغام فلن يرضي الشاهد ان ينعته المحامي بما كشفه من ستره ولن يوافقه أن يفضح أمره ويعري كذبه وزوره والتواءه وما أيسر أن ينازل المحامي أو ينازله دفاعه بالنيابة عنه بأنه وقع في وهدة السب أو القذف أو البلاغ الكاذب فيغدو سيف الخطر مشهرا عليه في جميع أحواله محققا أو مستقصيا أو باحثا أو مترافعا‏!!‏
    بل إن خطاب المحامي للنيابة أو للمحكمة لا يخلو من مخاطر زلل اللفظ أو تجاوز العبارة التي ربما عرضته للمسئولية ـ لأنه وهو يسعي للاقناع بما اقتنع به ووقر في خلده لا يتحدث حديث المحاضر الهادئ وإنما يتكلم بحماس وتأثر وانفعال المدافع المندمج في قضيته المتفاعل معها الشاعر بأوجاع موكله وبالمخاطر التي يمكن ان تحدق به والحانق أيضا علي تراكمات الزيف والزور والحجب والطمس والالتواء التي يسلكها اعداء الحق الرامون لتزييف الحقيقة والافتئات علي الأبرياء أو الكيل لهم بمكاييل بعيدة عن سنن العدل والانصاف هذه المهمة الدقيقة لا يؤديها المحامي ساكن النفس هادئ الخاطر أو متبلد الفؤاد وإنما هي شحنة من المشاعر تموج في صفحة وجدانه وتصاحبه فيما يقول ويوميء ويفعل وليس يدرك هذه المكابدة إلا من يعانيها وهي مكابدة تفتح علي المحامي أبوابا هائلة من المحاذير والاخطار
    يتفق الدستور المصري الحالي‏,‏ والدساتير المصرية السابقة‏,‏ مع دساتير العالم المتحضر‏,‏ في إعلاء كفالة حق الدفاع‏,‏ فتجري نصوص الدساتير‏,‏ ومواثيق حقوق الانسان‏,‏ علي اختلاف يسير في الصياغات‏,‏ علي أن حق الدفاع بالأصالة والوكالة مكفول‏,‏ ويجري بذلك نص المادة‏69‏ من دستورنا الحالي‏1971‏ فيقول‏:‏ حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول وهذه الكفالة ترتفع إلي التزام علي عاتق الدولة لاترخص فيه‏,‏ يوجب ان يكون لكل متهم بجناية محام يدافع عنه م‏/67‏ من الدستور‏,‏ فإن ضاقت امكاناته المادية عن توكيل محام التزمت الدولة بانتداب محام علي نفقتها للدفاع عنه‏..‏ وهذا الإيجاب لوجود المحامي للدفاع عن المتهمين في جنايات‏,‏ يصدر عن إقرار بحقيقتين‏:‏ الأولي‏:‏ خطر الاتهام بجناية وما يستوجبه هذا الخطر من وجوب الارتفاع بكفالة حق الدفاع إلي درجة الالزام‏,‏ والثانية‏,‏ التسليم بأهمية وجلال رسالة المحاماة‏,‏ وبأن المحامي حامل هذه الرسالة يملك من العلم والمعرفة والمقدرة ما لا يملكه سواه حتي قدمه الدستور علي الأصيل فلم يبح للأصيل أن ينفرد بالدفاع عن نفسه في جناية‏,‏ بل ولم يجز القانون للأصيل أن ينفرد بقبول استجوابه أمام المحكمة‏,‏ فحظر استجوابه إلا بشرط موافقة محاميه ومهما وافق الأصيل‏!!..‏ يملك المحامي بمفرده‏,‏ بل ورغم رغبة موكله المتهم‏,‏ أن يعترض علي استجوابه وأن يقول للمحكمة لا فلا تملك إلا النزول علي اعتراضه والامتناع عن استجواب المتهم‏!‏ وهذا الحق الخطير المعطي للمحامي يصدر عن تسليم والتفات بما لدور المحامي وقدراته من أهمية بالغة تجعل وجوده في قضايا الجنايات لازما لزوم وجوب‏,‏ وتجعل موافقته شرطا لجواز استجواب المتهم في القضايا الجنائية بعامة‏..‏ هذا الوجود الملزم ضمانة قدرها الدستور ومن ورائه القانون لحماية المتهم من مخاطر ومزالق الاتهام واحتمالات ما قد يرد عليه من اصطناع أو تجديف أو إرجاف أو تزييف‏,‏ ومن ثم فتح ابواب الافتئات والظلم والجور والحكم بغير الحق‏!‏
    هذا التقديس الدستوري للدفاع بالوكالة عن طريق المحامين سدنة العدالة وحملة راية الحق‏,‏ لم يتحقق بيسر أو بين يوم وليلة‏,‏ وانما جاء عبر طريق طويل طويل محفوف بالأخطار والمظالم‏,‏ وعبر واقعات هزت ضمير الانسانية لأخطاء جسيمة حصدت فيها أرواح بريئة من أي ذنب أو جريرة‏!!‏ ربما لم تكن تحدث أو بذات البشاعة لو قدر للمظاليم محامون ـ أو محامون جادون أكفاء ـ يدرأون عنهم الالتباس الذي أصاب الحقيقة في أقضيات ضاعت فيها أرواح بريئة‏!‏
    إبان القرن السابع عشر‏,‏ ادان القضاء الانجليزي وحكم بإعدام جون وريتشارد ـ بيري ـ ووالدتهما جوان بيري بتهمة أنهم قتلوا من يدعي وليم هاريسون عمدا مع سبق الإصرار والترصد‏,‏ وبعد أكثر من سنتين من تنفيذ حكم الاعدام شنقا ـ ظهر المجني عليه حيا يرزق لم يمسسه سوء‏!!‏
    وفي إيطاليا روع الرأي العام بأنه بعد تسع سنوات من الحكم بالإعدام الذي تخفف لحسن الحظ إلي الاشغال الشاقة المؤبدة ـ روع بظهور القتيل حيا يرزق بعد أن ادين اخوة المتهم بقتله من تسع سنوات‏!‏
    وفي فرنسا‏,‏ وفي قضية غريبة صاحبتها ملابسات خادعة‏,‏ عرفت بقضية مدام بولين‏,‏ روعت الأمة الفرنسية في أواخر القرن قبل الماضي بأنه استبان بعد عشر سنوات ان زوج وشقيق المرأة المسكينة التي حكم عليها بالأشغال الشاقة المؤبدة لم يموتا قتلا بالسم كما اعتقدت المحكمة‏,‏ انما توفيا متأثرين بغاز أول أكسيد الكربون السام المتسرب‏,‏ عفوا الي داخل الدار من قمينة جير حي كانت موقدة بالخلف يوم الوفاة‏,‏ يومها أعيد التحقيق في القضية‏,‏ وتكشفت الحقائق تباعا‏,‏ ووقف لوفافريه‏LEFAVERAIS‏ الافوكاتو العمومي يدافع بنفسه عن هذه المسكينة التي أمضت بالسجن عشر سنوات ظلما ويطلب لها البراءة تكفيرا عن الخطأ الجسيم الذي وقع في حقها نتيجة عدم إقساط دفاعها حقه‏..‏ بيد ان المحامي الحاضر في إعادة المحاكمة مع الظليمة البائسة لم يشأ أن يترك منصة الدفاع قبل أن يشير الي ان ابنتها التي تركتها في مهد طفولتها قد ظلت هذه السنوات العشر تعتقد أن أمها آثمة بقتل ابيها وخالها‏.‏
    مثل هذه الحادثات التي أقضت ضمير الانسانية‏,‏ كانت وراء رفع وإعلاء وتقديس حق الدفاع والإيمان برسالة المحاماة‏..‏ هذه الرسالة لا ينهض بها الخائفون ولا المرتعدون ولا المرتجفون أو المهددون في حرياتهم ومصائرهم‏..‏ من أجل ذلك‏,‏ ورعاية للإنسانية والعدالة ذاتها‏,‏ كانت الضمانات التي قررتها الدساتير والقوانين للمحامين كفالة لأداء حق الدفاع اداء جديا يحقق الغاية المعقودة عليه والمنشودة منه‏!‏
    لا تنطوي الحصانة المطلوبة للمحامين في أدائهم لأعمالهم علي أدني مبالغة‏,‏ بل هي ضمانة حقيقية ولازمة وواجبة لحمايتهم حماية تحمي العدالة ذاتها‏,‏ لأن فروسية المحاماة وشجاعتها ونجدتها وقدرتها علي المناضلة من أجل الحق الذي تسعي إليه أو لدرء الخطر الذي تتحاشاه ــ رهينة بما يتوفر للمحامي من سعة الأداء وحماية تسبغ عليه فيها‏,‏ لأن المرتجف الخائف المتوجس لا يقدر علي الأداء ناهيك بأن يقدر علي خوض الصعب‏,‏ ويدل تاريخ المحاماة وما تعرض ويتعرض له المحامون قديما وحديثا‏,‏ علي أن هذه الحصانة لازمة لزوما يجاوز في ضرورته الحصانة المسبغة علي القاضي‏..‏ فالقاضي متحصن علي منصته العالية‏,‏ متوج الهامة بمنصبه المرموق‏,‏ آمن بالاستقلال المتوفر له‏,‏ وبالسلطة التي تؤمنه وتردع كل من تسول له نفسه أن يتطاول علي مقامه أو علي قدسية رسالته‏!‏
    المحامي في مناضلته أعزل‏,‏ إلا من علمه وثقافته وملكاته وموهبته وقدرته ورغبته الصادقة في أداء رسالته‏,‏ بيد أن ذات هذه السمات والقدرات هي هي التي يمكن أن تجر علي المحامي المشاكل وتجلب إليه الأخطار وتعرضه في حريته ومصيره بل وحياته إلي ما لا تحمد عقباه‏!!‏ وأخطر مما يحل بالمحامي إذ اغتيل دوره وتعرض للخطر أو أصابه الأذي وهو يؤدي رسالته‏,‏ إن ذلك ينعكس بالضرورة وحتما علي موكله الذي ينهض بعبئه‏,‏ ومن هنا يغدو التجني علي المحامي تجنيا علي العدالة ذاتها‏!‏
    كان فوكيه المدعي العام الفرنسي يمثل الإتهام في محاكمة ماري أنطوانيت إبان الثورة الفرنسية قبل أن تلتهمه هو ذاته مقصلة الثورة‏!..‏ في المحاكمة كان يصب جام غضبه علي القصر وأهله‏,‏ وعلي الملكة التي أخذ يتهمها بنهر سيال من المخازي‏,‏ بيد أنه فوجيء بمحاميها لاغارد يبدي مرافعة رائعة‏,‏ تفند وتدحض كل المزاعم والإفتراءات‏,‏ ولم يكتف بذلك وإنما ختم مرافعته بمآثر آخذ يحصيها للملكة في حصول الشعب علي حريته‏..‏ لم يطق فوكيه الصبر‏,‏ ولم يستطع التحكم في أعصابه أو الإلتفات إلي الإحترام الواجب للدفاع‏,‏ فنهض محموما ليأمر الحرس بإلقاء القبض علي المحامي الذي ترافع وأجاد ولم ترهبه يد الثورة الباطشة‏!‏ قد كان ذلك كفيلا بأن يردع ترونسون المحامي التالي للدفاع عن الملكة‏,‏ وأن يستمد الحذر والحكمة من رأس الذئب الطائر‏,‏ إلا أن رسالة المحاماة المالئة لصفحة وجدانه المتغلغلة في أعماق ضميره‏,‏ قد دعته لأن يبذل ويبدي ولا يجفل أو يخاف‏,‏ فمضي في مرافعته يرد إتهامات فوكيه بقوة وعنف‏,‏ فما إن انتهي حتي كان الحرس يطبق عليه بأمر فوكيه أسوة بزميله الذي سبق‏!!‏ معظم حادثات التجني علي المحامين‏,‏ تحدث كما رأينا في المحاكم الاستثنائية التي لا يباشرها قضاة ولا يحدها دستور أو قانون‏,‏ ومع ذلك فليس يندر أن تحدث في سواها من المحاكم العادية‏,‏ لأن ظروف الدعاوي والمرافعات وما يلابسها من سخونة واحتدام فضلا عن بشرية رجل السلطة أو النيابة أو القضاء‏,‏ واعتياده ــ وهو بشر‏!‏ ــ علي ممارسة السلطة اعتيادا قد يقلل في صفحة وجدانه إحساسه بوطأتها علي الآخرين‏!..‏ أما في المحاكم الاستثنائية فإن شوكة السلطة تغدو هي كل وجدان قاضيها المتحكمة في سلوكه وتعامله مع الخصوم ومع دفاعهم‏..‏ لا يكاد ينجو أحد من رذاذ هذه الممارسة بصورة أو بأخري‏!!‏
    في محاكمة إبراهيم عبدالهادي‏,‏ الذي قضي بإعدامه مرتين ونجا منهما‏..‏ الأولي خلال ثورة‏1919‏ بتهمة قتله ضباط وجنود الإحتلال ــ والثانية في محاكمته في سبتمبر‏1953‏ أمام محكمة الثورة برئاسة قائد الجناح آنذاك عبداللطيف البغدادي‏..‏حضر معه الأستاذان الكبيران الجليلان مصطفي مرعي وعلي أيوب‏..‏ بيد أن رئيس المحكمة فاجأ المتهم ــ رغم جسامة التهم المسندة إليه‏,‏ بأنه لا يجوز أن يحضر معه إلا محام واحد‏,‏ ويصد الأستاذ علي أيوب صدا عنيفا غليظا حين حاول أن يبدي وجهة نظره‏,‏ فيضطر إبراهيم عبدالهادي اضطرارا إلي الإكتفاء بالأستاذ مصطفي مرعي‏,‏ وتصرف المحكمة الأستاذ علي أيوب رغم اعتراضه واعتراض زميله مصطفي مرعي ورغبة المتهم الذي بدا بلا حول ولا قوة أمام ما يجري‏!!‏
    ذهب المحامي الجليل علي أيوب‏,‏ ولكنه لم يتردد في أن يرسل إلي محكمة الثورة برقية نصها‏:‏ أرجو أن ينال إبراهيم عبدالهادي في محاكمته أمام محكمة الثورة نفس العدالة التي لقيها من المحكمة العسكرية البريطانية عندما حاكمته في ثورة‏1919!!‏
    بيد أن مفاجآت المحكمة لم تتوقف عند صرف أحد المحامين‏,‏ فتعنتت تعنتا لافتا مع الأستاذ مصطفي مرعي وأفسحت المجال علي الواسع لاعتراض سقيم واضح التهافت علي وكالته وحضوره مع المتهم‏..‏ وتتصاعد المناوآت فيوجه رئيس المحكمة نظر مصطفي مرعي فارس المحاماة حين أثار أن الدعوي أحيلت بلا أي تحقيق ــ إلي أنه يبدو أنه غائب عن ذهنه أنه أمام محكمة ثورة‏,‏ ثم يقف فيقول له في جفاء وغلظة‏:‏ اختصر وأوجز في كلامك‏,‏ لابد أن تفهم أن هذه هي محكمة ثورة ولابد أن نبسط الإجراءات والمسألة مش مسألة مماطلة‏!!..‏ وأنه سوف يعقد الجلسة السرية‏,‏ وعبثا تذهب كل محاولات مصطفي مرعي لإيضاح أن الدعاوي لاتحال الي المحكمة بغير تحقيق‏,‏ فيمضي رئيس الجلسة في تعنته حتي أضطر مصطفي مرعي للتنحي مقرونا بعبارات بليغة أبان فيها وهو يلمح إلي علم الثورة المرفرف علي المحكمة‏,‏ أنه قد صار عاجزا تماما عن تأدية واجبه وعمله‏,‏ وأنه مضطر للتنحي والأسي يمزق قلبه‏,‏ فلا يتمهل رئيس الجلسة لحظة‏,‏ ويبادره فورا دون أن يتداول مع عضويه‏:‏ قررت المحكمة قبول تنحي الأستاذ مصطفي مرعي وللمتهم أن يختار من يري للدفاع عنه‏!!‏ ـ ولكن لم يتح للمتهم قط من يدافع عنه‏!!
    لم يكن مقصودي‏,‏ ولا كان هدف المقال السابق ـ تقييم الثورة الفرنسية‏,‏ أو تقييم الثورة المصرية ـ ولا رواية أحداث قضية محاكمة ماري انطوانيت‏,‏ أو محاكمة إبراهيم عبد الهادي ـ فموضوع المقال محدود بحدوده‏,‏ وهي المكابدات والمخاطرات التي يتعرض لها المحامون‏,‏ أما المحاكمة ذاتها ونتيجتها ومآلها فشيء آخر يخرج عن حدود البحث‏..‏ ومن المعروف أن حكم المحكمة صدر بإعدام إبراهيم عبد الهادي‏,‏ ولكن قائد الثورة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وقف بشدة وقوة وإصرار وتصميم ضد هذه العقوبة‏,‏ وتمكن حين عرض الحكم من كسر الإجماع المطلوب للمصادقة علي الإعدام‏,‏ فصوت ضد حكم الإعدام وكسر الإجماع اللازم وحمي الرجل من الإعدام‏,‏ وذكر للرجل سابقة بلائه والحكم بإعدامه في ثورة‏1919,‏ بل إن الرئيس السادات الذي كان عضو يمين ذات المحكمة التي قضت بالإعدام‏,‏ عاد بعد ربع قرن وإبان فترة رئاسته فكرم إبراهيم عبد الهادي تكريما خاصا طيره إلي مصر والعالم‏..‏ أعود فأقول إن هذا خارج نطاق ما أنقب فيه حول رسالة المحاماة والمخاطر التي يتعرض لها المحامون‏,‏ والمكابدات التي يكابدونها‏,‏ فليس مرامي هنا ولا يتسع المجال لتقييم نظم حكم أو تقييم ثورات أو حتي رواية تفاصيل وتضاعيف المحاكمات‏!‏
    يروي عبد العزيز باشا فهمي شيخ المحامين والقضاة‏,‏ وأول رئيس لمحكمة‏-‏ النقض المصرية عام‏1931‏ ـ يروي في هذه حياتي فصلا عن صداقته الحميمة وزمالة عمره لأحمد لطفي السيد أستاذ الجيل‏,‏ ويروي فيما يرويه وقد تزاملا معا بمكتب واحد في المحاماة ـ لماذا ترك أحمد لطفي السيد المحاماة كارها‏,‏ واشتغل بالسياسة والصحافة راغبا‏..‏ وكيف شكا إليه أنه يسمع من بعض المحتكين بالعمل فحش القول وهجره‏,‏ وأنه يجد من بعض القضاة غلظة‏!!‏
    في ذلك الزمن بمصر ـ في أواخر القرن‏19‏ وأوائل القرن العشرين‏,‏ كانت الهوة واسعة بين المحامين والقضاة‏,‏ أو قل بين بعض المحامين وبعض القضاة‏,‏ فلم يكن كل المحامين علي شاكلة واحدة وتأهيل واحد‏,‏ ولا كان القضاة كذلك‏..‏ فحين أنشئت المحاكم الأهلية سنة‏1884‏ التي وافقت أحكام قوانينها في مجملها أحكام القوانين بالمحاكم المختلطة التي أنشئت سنة‏1875‏ ـ لم يكن الفقه القانوني قد بلغ مبلغا ملائما في مصر‏,‏ إذ لم يكن فيها من متخرجي الحقوق ما يكفي لمناصب القضاء والنيابة ناهيك بالمحاماة‏.‏ ولهذا قضت الضرورة بأخذ كثير من القضاة بطريق الإستثناء‏,‏ كما أن المحامين أمام المحاكم الأهلية كانوا في جملتهم من النبهاء الذين لم يدرسوا القوانين الحديثة‏,‏ بل إن إبراهيم الهلباوي أشهر المحامين طرا لم يكن حاملا لإجازة الحقوق‏..‏ وبقي الأمر علي ذلك حتي صدر قانون المحاماة الذي اشترط فيه أن يكون المحامي حاصلا علي ليسانس الحقوق أو شهادة عالية معادلة من مدرسة أجنبية‏!..‏ منذ ذلك الحين بدأ تيار ذوي الشهادات القانونية يغمر القضاء والمحاماة‏,‏ مما ترتب عليه تقارب العقليات بين القضاة والمحامين‏!‏
    علي أن هذا التقارب‏,‏ والإنتماء إلي معهد واحد‏,‏ لم يحل دون سخونة مواجهات وقعت‏,‏ تتناقلها الألسن والروايات‏,‏ وأوردتها بعض المدونات‏..‏ يصب معظمها فيما يمكن أن يتعرض له المحامي من مكابدة وخطر وهو يؤدي رسالته‏,‏ عبر عن ذلك فارس المحاماة الأستاذ الجليل مصطفي مرعي في عبارته الشهيرة‏:‏ غصص هي المحاماة‏!!..‏ كان ذلك إثر موقف محتدم بينه وبين المستشار الجليل محمود عبد اللطيف رئيس إستئناف القاهرة فيما بعد‏,‏ ويفصل بينهما في التخرج عامان‏..‏ فمصطفي مرعي خريج‏1923‏ ومحمود عبد اللطيف خريج‏..1925‏ فلما أن أعيدت الجلسة إلي الإنعقاد ـ بعد هدوء النفوس ـ أبي مصطفي مرعي إلا أن يبدأ حديثه بقوله‏:‏ غصص هي المحاماة‏!!‏
    قد بلغ الجموح أحيانا ما يوري بنذير شؤم لوجود المحاماة ذاتها‏,‏ وتدخلت الحكمة في أحيان أخري لإحتواء ما يمكن أن يحدث من تداعيات توثر سلبا علي العدالة نفسها‏..‏ ففي واقعة شهيرة تداعت في سبتمبر‏1946,‏ حدث إعتداء من جانب الأستاذ رئيس محكمة مصر الإبتدائية علي الأساتذة المحامين‏:’‏ أحمد حسين‏,‏ وعزيز فهمي‏,‏ وعبد الحميد عبد المقصود‏,‏ فتفجر الموقف في نقابة المحامين وإجتمعت الجمعية العمومية في إجتماع حاشد‏,‏ بيد أن الأستاذ رئيس المحكمة ومعه كبار رجال القضاء والنيابة بادروا إلي دار نقابة المحامين حيث أظهر الأستاذ رئيس المحكمة أسفه وإعرابه عن تقديره وإحترامه لحضرات الزملاء المحامين‏..‏ وفي قرار الجمعية العمومية أوردت أن المحاماة عنصر أساسي في النظام القضائي‏,‏ وأن العدالة لايمكن أن تتحقق تماما إلا بتعاون عناصر النظام القضائي كله وتبادل الإحترام والتقدير بين القضاء والمحاماة‏,‏ وأن كل إعتداء علي كرامة المحامين أو حقوقهم وكل حد من قيامهم بواجب الدفاع فيه إخلال خطير بالعدالة لن تقبله الجمعية العمومية‏!‏
    إزاء المخاطر التي يتعرض لها المحامون‏,‏ وما يمكن أن يصيب العدالة ذاتها إذا قعدت المحاماة ـ خوفا أو إتقاء ـ عن أداء واجب الدفاع بالجدية والذمة والشجاعة والأمانة‏,‏ عنيت المدونات التشريعية تباعا‏,‏ سواء في قوانين المحاماة المتعاقبة‏,‏ أو في قوانين المرافعات والإجراءات الجنائية والعقوبات‏,‏ علي إقامة حواجز صد تقي المحامين من غائلة أي تجاوز أو جموح في ممارسة السلطة‏,‏ وتوفر لهم الأمان اللازم لأداء رسالة المحاماة التي هي أحد أضلاع العدالة وأركانها الركنية‏!. تضافرت تشريعات عديدة في سعيها لتوفير الضمانة الواجبة للمحامين‏,‏ حتي يستطيعوا أن يؤدوا رسالتهم في أمان‏,‏ ويسهموا في ارساء العدالة علي موازينها الصحيحة‏…‏ هذه الضمانة ليست محاباة لمهنة دون مهنة‏,‏ وانما هي ضرورة لا محيص عنها‏,‏ وهي رعاية وحماية للعدالة ذاتها‏..‏ ومع ذلك فإن الباحث عن الضمانات المقررة في القانون للمحاماة‏,‏ مضطر للبحث والتفتيش في كثير من المدونات التشريعية لجمع ما تفرق في هذه التشريعات المختلفة‏..‏ هذا التفرق أو الشتات يوري بأن المشرع لم يصدر في هذه القضية الخطيرة عن نظرة كلية شاملة‏,‏ وانما صدرت النصوص فرادي‏,‏ وبعضها ربما صدر في ولادة عسرة لان الوعي بقيمة واثر المحاماة علي العدالة ذاتها لم يصل بعد الي النضج الكافي‏,‏ وربما قاومته عقول قصيرة النظر تحسب الأمر محض مكاسب تعطي لفئة فيغلب من ثم علي هذا النظر القصير منطق المنح دون ان يعي أو يدرك الأخطار الهائلة التي تحيط بالعدالة اذا ما افتقد المحامي سياجا يحميه لينهض برسالته ويؤدي امانته الثقيلة بلا وجل ولا خوف‏!‏
    في تاريخ طويل بدأه الأسلاف‏,‏ حملت قوانين المحاماة المتعاقبة ما يلفت الانتباه الي ما توجبه مساهمة المحاماة في تحقيق العدالة‏,‏ وأورد نص المادة‏(1)‏ من قانون المحاماة الحالي‏1983/17‏ ـ ان المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة‏,‏ وفي تأكيد سيادة القانون وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم‏,‏ واوردت ذات المادة‏,‏ ان مهنة المحاماة يمارسها المحامون وحدهم في استقلال لا سلطان عليهم في ذلك إلا ضمائرهم وأحكام القانون‏.‏
    فماذا أوردت المدونة التشريعية المصرية ضمانا لذلك؟‏!‏
    نصت المادة‏/49‏ من قانون المحاماة الحالي‏1983/17‏ علي أن يعامل المحامي من المحاكم وسائر الجهات التي يحضر أمامها بالاحترام الواجب للمهنة‏.‏
    وهذا الاحترام الواجب‏,‏ لا يصل الي غايته ما لم تتضافر معه حماية تسبغ علي المحامي حال قيامه بواجبه وأمانته‏,‏ فلا جدوي من ترك واجب الاحترام للآخرين يبذلونه متي شاءوا أو يضنون به متي ارادوا‏..‏ يزيد هذه المخاطر احتمالا‏,‏ ان المحامي يتعامل مع سلطات درج شاغلوها علي ممارسة السلطة بما تعطيه هذه الممارسة من اعتياد الخلود والارتياح إليها وحب ممارستها‏,‏ بما قد يؤدي الي تجاوزات ينبغي أن يؤمن المحامي من غائلتها اذا تجاوزت أو اشتطت‏!‏
    لذلك نصت الفقرة الثانية من المادة‏/49‏ سالفة الذكر‏,‏ علي أنه واستثناء من الأحكام الخاصة بنظام الجلسات والجرائم التي تقع فيها المنصوص عليها في قانون المرافعات والاجراءات الجنائية اذا وقع من المحامي في اثناء وجوده بالجلسة لأداء واجبه أو بسببه اخلال بنظام الجلسة أو أي أمر يستدعي محاسبته نقابيا أو جنائيا‏,‏ يأمر رئيس الجلسة بتحرير مذكرة بما حدث ويحيلها الي النيابة العامة ويخطر النقابة الفرعية المختصة بذلك‏.‏
    فلا تجيز هذه المادة ـ ونقلتها بنصها المادة‏/49‏ من تعليمات النيابة العامة‏(‏ الكتاب الأول‏)‏ ـ لا تجيز للقاضي أن يعامل المحامي الحاضر أمامه بما قد تعامل به جرائم الجلسات‏,‏ وكل ما له هو أن يحرر مذكرة تحال الي النيابة العامة مع اخطار نقابة المحامين الفرعية بذلك‏.‏
    ويقتضينا الإنصاف أن نشير الي أن قانون الاجراءات الجنائية رقم‏1950/150‏ لم يهمل هذه الحصانة‏,‏ فبعد أن تحدثت المادتان‏243‏ و‏244‏ عن جرائم الجلسات والسلطات المعطاة للمحاكم فيها برفع الدعوي والحكم فيها فورا في الجلسة‏,‏ استثناء من مبدأ عدم جواز الجمع بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم‏,‏ اوردت المادة‏/245‏ من ذلك القانون انه‏:‏ استثناء من الأحكام المنصوص عليها في المادتين السابقتين اذا وقع من المحامي في اثناء قيامه بواجبه في الجلسة وبسببه ما يجوز اعتباره تشويشا مخلا بالنظام‏,‏ أو ما يستدعي مؤاخذته جنائيا يحرر رئيس الجلسة محضرا بما حدث‏,‏ وللمحكمة أن تقرر احالة المحامي الي النيابة العامة لاجراء التحقيق اذا كان ما وقع منه يستدعي مؤاخذته جنائيا والي رئيس المحكمة اذا كان ما وقع منه يستدعي مؤاخذته تأديبيا‏,‏ وفي الحالتين لا يجوز ان يكون رئيس الجلسة التي وقع فيها الحادث أو أحد اعضائها عضوا في الهيئة التي تنظر الدعوي‏.‏
    وتأمينا للمحامي من أي جنوح في معاملته‏,‏ نصت المادة‏/50‏ من قانون المحاماة علي أنه‏:‏ في الحالات المبينة بالمادة السابقة‏(‏ المادة‏49‏ محاماة‏)‏ لا يجوز القبض علي المحامي أو حبسه احتياطيا‏,‏ ولا ترفع الدعوي الجنائية فيها إلا بأمر من النائب العام أو من ينوب عنه من المحامين العامين الأول‏.‏
    بهذه النصوص أخرج المشرع ما عساه يصدر من المحامي مخالفا لقانون وتقاليد المحاماة أو المدونة الجنائية ـ من عداد الاختصاص المقرر للمحاكم في جرائم الجلسات‏.‏
    وجوهر هذا الاستثناء الذي قرره الشارع في شأن جرائم الجلسة‏,‏ التي قد تقع أو تنسب الي محام ـ أنه لم يخول المحكمة سلطة التحقيق أو الحكم فيها‏,‏ وانما قصر سلطتها علي مجرد الاحالة الي النيابة العامة لاجراء التحقيق‏,‏ فلا يجوز للمحكمة أن تحقق مع المحامي الحاضر أمامها أو تتخذ ازاءه أي اجراء من الاجراءات التحفظية‏,‏ وغاية هذا واضحة هي توفير مظلة الأمان الواجب للمحامي وهو ينهض برسالته بالجلسة‏,‏ ومع ذلك فإنه رغم وضوح وصراحة النصوص لاتزال بعض النفوس قاصرة عن بلوغ الغاية واعطاء هذه النصوص حقها الواجب من الاحترام والإعمال‏,‏ فتنفجر من وقت لآخر تصرفات شاردة تخلخل العدالة ذاتها وتصيب الأداء في محرابها بما يستوجب أن تقرن القاعدة التي أوردتها النصوص بجزاء واجب الإعمال علي مخالفتها‏.‏
    حصانة المحامي التي بدأنا في المقال السابق تتبع خيوطها في المدونات التشريعية المصرية‏,‏ هي حصانة تتغيا كفالة حق الدفاع ورعاية العدالة قبل أن تكون مزية شخصية‏..‏ لذلك فوجوبها وجوب عام ينهض علي اعتبارات موضوعية لا فئوية‏!..‏ فالمحامي يحتل في النظام القضائي مركزا قانونيا‏,‏ وهو يعين ممثل العدالة علي الفهم الصحيح لواقع الدعوي أو النزاع‏,‏ وينير امامه السبيل لانزال احكام القانون وتطبيقه التطبيق السليم علي الوقائع‏,‏ ومن مصلحة العدالة أن تتاح الظروف الملائمة للمحامي ليتمكن من أداء واجبه في سعة وحرية ودون أن يخشي اجراء تعسفيا أو عقوبة فورية‏!!‏
    وفيما يبدو أنه استجابة واجبة لهذه القاعدة المقررة بقانون المحاماة وقانون الاجراءات الجنائية وتعليمات النيابة العامة ـ نصت المادة‏/592‏ من تعليمات النيابة العامة علي أنه‏:‏ـ
    لا يجوز القبض علي محام أو حبسه احتياطيا لما نسب اليه في الجلسة من جرائم القذف والسب والاهانة بسبب اقوال أو كتابات صدرت منه اثناء او بسبب ممارسته المهنة‏,‏ وعلي عضو النيابة تحرير محضر بما حدث في هذه الحالة وإبلاغ صورته عن طريق المحامي العام أو رئيس النيابة الكلية إلي مجلس النقابة‏.‏ وذلك دون إخلال بسلطة النيابة في تحقيق هذه الجرائم‏.‏
    هذه الحماية المقررة للمحامي‏,‏ اقتضت لاعتباراتها الموضوعية التي تصب في العدالة ذاتها‏,‏ أن يصان مقام المحامي والمحاماة وأن يحمي المحامي من أي تجاوزات قد تمسه أو تمس اعتباره أثناء نهوضه بأمانة الدفاع‏.‏ لذلك فإن قانون المحاماة لم يكتف بسياج الحماية المقرر في القانون العام إزاء ما يقع من جرائم السب أو القذف أو التعدي أو الاساءة للاعتبار‏,‏ فخص المحامي وهو يحمل رسالته المقدسة بحماية خاصة تتناسب مع ثقل الامانة التي يحملها من ناحية‏,‏ وتعبر في ذات الوقت عن مركزه القانوني في النظام القضائي ذاته‏.‏ فنصت المادة‏/54‏ من قانون المحاماة‏1983/17‏ علي أنه‏:‏ يعاقب كل من تعدي علي محام أو أهانه بالاشارة أو القول أو التهديد أثناء قيامه بأعمال مهنته أو بسببها بالعقوبة المقررة لمن يرتكب هذه الجريمة ضد أحد أعضاء هيئة المحكمة‏.‏ هذا بينما تعاقب الفقرة الثانية من المادة‏/133‏ عقوبات ـ تعاقب علي إهانة هيئة قضائية بعقوبة الحبس مدة لا تزيد علي سنة أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه‏.‏
    ومن يعرف المحاماة يعرف أن مهمة الدفاع واسعة المنابع‏,‏ متنوعة المصادر‏,‏ يعد المحامي عدته لها في مكتبه الذي يحوي بالضرورة ملفات القضايا بما تشمله من أسرار الناس وتضاعيف ومصادر وأسانيد الدفاع‏,‏ مما يشكل في جملته منظومة متكاملة أساسية ومكملة لمهمة الدفاع وتعد كفالتها وصيانتها جزءا لا يتجزأ من حماية المحاماة وحصانة المحامي‏.‏ لذلك فرضت قيود صارمة علي تفتيش مكاتب المحامين‏,‏ فنصت المادة‏/51‏ من قانون المحاماة علي أن‏:‏
    لا يجوز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة وأوجبت ذات المادة علي النيابة العامة أن تخطر مجلس النقابة أو مجلس النقابة الفرعية قبل الشروع في تحقيق أية شكوي ضد محام بوقت مناسب‏,‏ وللنقيب أو رئيس النقابة الفرعية إذا كان المحامي متهما بجناية أو جنحة خاصة بعمله أن يحضر هو أو من ينيبه من المحامين‏,‏ التحقيق‏.‏ وإلتقت تعليمات النيابة العامة‏(‏ الكتاب الأول‏)‏ مع هذه المنظومة فأكدت هذه القاعدة وزادت عليها ضوابط اضافية في المواد‏5989,588,587..‏ وأعادت المادة‏/593‏ من تعليمات النيابة التأكيد علي ذلك فنصت علي أنه‏:‏ لا يجوز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة ويجب علي عضو النيابة أن يخطر مجلس نقابة المحامين أو مجلس النقابة الفرعية قبل الشروع في تحقيق أي شكوي ضد أحد المحامين بوقت مناسب‏.‏
    ـ واشتراط ألا يكون تفتيش مكتب المحامي إلا بمعرفة أحد اعضاء النيابة‏,‏ تعني أن الانابة في ذلك غير جائزة‏,‏ ويتعين أن يتم بحضوره هو وبمعرفته وهذه ضمانة بالغة الأهمية‏,‏ تتبدي أهميتها في إغلاق أي أبواب للاختلاق أو التلفيق‏,‏ وتكفل في الوقت ذاته الا يتخطي التفتيش غرضه‏,‏ وأن يبقي محصورا فيه لا يتعداه‏..‏ فالتجاوز هنا لا يقتصر أثره علي المحامي او شخصه او ممتلكاته‏,‏ وانما يمس حقوق ومستودعات اسرار اغيارهم ارباب القضايا ولا يجوز او يتطرق التفتيش الي ملفاتهم مادامت خارج نطاق وهدف التفتيش‏,‏ وهذه الجزئية بالذات لا يكلفها ولا يضمنها الا وجود عضو النيابة شخصيا اثناء التفتيش واشرافه علي الالتزام في تنفيذه بحدوده وغايته‏.‏
    فتقييد تفتيش مكتب المحامي هو فرع علي ما يجب توفيره له من ظروف وضمانات لتوفير الحماية الواجبة له ليستطيع ان ينهض بمهامه ويؤدي رسالته في حرية وطمأنينة وأمان‏,‏ يفرض هذا ايضا أن المحامي عرضة بالأدوار التي يؤديها في الخصومات ان يكون هدفا لانتقام هذا أو ذاك من اطراف الخصومة ببلاغ كيدي أو بعمل ثأري‏,‏ فضلا عما يجب أن يتوفر للمكتب وأوراقه ومستنداته من سياج تأمن به من أي عبث أو تهديد قد يتستر شكلا بشكاوي واجراءات ظاهرها بريء وباطنها الرغبة في الكيد للمحامي أو الوصول الي النيل منه أو مما لديه من مستندات وأوراق تتعلق بها أسرار ومصالح الخصوم الذين يتولي قضاياهم‏.
    عن نصب ومكابدة المحامين‏,‏ عبر المرحوم الأستاذ مرقص فهمي أصدق تعبير حين وقف يدافع قائلا‏:‏ نحن المحامين نعالج آلام الناس ونرافقهم في شقائهم‏.‏ ولذلك نرتدي الثوب الأسود ونقف في هذا المكان المنخفض‏..‏ فإذا ما أعيانا التعب جلسنا علي هذا الخشب‏.‏ فنحن حقيقة بؤساء رفقاء بؤساء‏!‏ ولكن رغم هذه المظاهر الخداعة فإن الذي في قلبه إيمان بالحق يرتفع من هذا المركز إلي السمو الذي لا حد له‏.‏ لأن عماده كله الحق‏,‏ ولأن مأمورية المحامي تمثل حق الدفاع المقدس‏,‏ والقداسة لا تحتاج لسلطة ولا تحتاج لمظهر قوة بل هي جميلة‏..‏ روي تاريخ المحاماة ان أسلافها العظام لم ينتظروا ضمانة أو حصانة لأداء رسالتهم التي كثيرا ما جرت عليهم المتاعب‏,‏ وأغضبت منهم قضاة وأعضاء نيابة‏,‏ ودفع بعضهم ثمنا لهذا الغضب‏,‏ لكنهم لم يتراجعوا عن إبداء ما آمنوا به أن الصواب واجب الإبداء لإظهار الحق‏!‏ وضع النقيب الكبير دي بوي حدود العلاقة بين النيابة والمحاماة في رده علي الاتهام الذي اقامته النيابة ضده بأنه تجاوز الحدود المسموح بها‏!‏ يومها وقف دي بوي مترافعا يقول‏:‏ لقد شكا المحامي العام من حدة الكلام الذي وجهته إليه‏,‏ بل أضاف أن ما أبديته جزء من ترتيبات موكلي المسيو بونتو كما لو كان من واجباتي أن أخضع لترتيبات وتنظيمات موكلي؟‏!‏ ليس مطلوبا مني أن أبرر حدتي في المرافعة‏,‏ فإنني اعتقد أنها كانت في الحدود الضيقة لواجبي وحقي كمحام‏,‏ ومع ذلك فلا بأس وقد أساء المحامي العام فهم عواطفي ـ أن أقدم له تفسيرا أرجو أن يرضيه‏:‏ إنني احترم وظيفة النيابة احتراما أصيلا عميقا‏,‏ وأفضل أنواع الاحترام ذلك الذي يصدر حرا ومن تلقاء ضميري للرسالة السامية التي نؤديها ولضرورتها للهيئة الاجتماعية‏,‏ وإذا كان لي أن أضيف شيئا فإنني أقول إن تقديري لأخلاقه وكفاءته كبير‏,‏ وان كان السيد المحامي العام لا يطلب مني ذلك وقد لا يأبه له أما وقد قلت ذلك فهو لا يستطيع أن يطلب مني احترامي وتقديري إلي مرافعته وحججه‏.‏ فلست مطالبا بالنسبة إليها لا بالاحترام ولا بالتقدير بل ولا بالرعاية‏!‏ إنما جئت إلي هنا لاحاربها وأهاجمها وأقضي عليها ما استطعت إلي ذلك سبيلا‏,‏ ولا استبعد من بينها الحدة إن كانت لازمة لتوضيح بياني ونجاح قضيتي‏!‏ إن المتهمين إنما جاءوا إلي هنا ليدافعوا عن أنفسهم‏(‏ لا ليصادقوا علي ما يقال عنهم‏)‏ إن شرفهم وحريتهم في خطر يجب إزاءه التساهل مع من يتكلم باسمهم حتي ولو تخطي الحدود جدلا‏..‏ فيجب أن يكون عندكم من الكرم والسماحة ما يجعلكم تغضون النظر عن ذلك‏!‏
    في ذلك الزمن الجميل‏,‏ اتسعت حجج المحامين‏,‏ ولازمها الأدب الرفيع‏,‏ والمنطق النافذ‏,‏ وقابلتها سماحة نيابة وسماحة قضاء لم يصادر علي هذا الاحترام المتبادل تحوصل في السلطة أو تلويح أو استعمال لشوكتها أثناء محاكمة الأديب الأشهر إميل زولا عن مقال مشهور كتبه في قضية دريفوس تحت عنوان إني أتهم‏!‏ وقف المحامي العام يلمز علي محاميه النقيب الشهير‏:‏ لابوري فقال للمحكمة ساخرا‏:‏ إن الذين يسبون الجيش جاءوا أمامكم يشيدون به‏!‏ وفي غضب جريح لم يفقد جمال واتقان العبارة وقف لا بوري معاتبا في أدب لم يفقد فصاحة ونفاذ سهم الحجة إنني لم اتعود أن أتلقي في حرم العدالة طعنات شخصية من هذا النوع‏!‏ لست ممن يتوارون وراء أي إنسان ولست ممن يقبلون مثل هذا الهجوم ولو صدر من مقعد الاتهام‏,‏ أو يقبلون هجوما وغمزا لا يمكن أن يصعد إلي برغم ارتفاع المنصة التي صدر عنها‏!‏ ثم يستأنف لابوري عاتبا ومقرعا إن المحامي العام قد أثرت فيه علي ما يبدو مظاهر السلطة التي جاء بعضهم يتظاهر بها هنا‏,‏ وتصور أن من حقه أن يلقي علينا دروسا؟‏!‏ لكنني أرفض الدرس بإباء وشمم‏,‏ وأضيف أنني أعرف لماذا اختار كلمات رنانة طنانة لينطق بها‏..‏ إنها قصيرة لا يمكن أن تحدث أثرا بذاتها‏!‏ ولكنه أعدها وألقاها ليثير بها مظاهرة ـ كان واجبا عليه أن يتوقعها ـ من قاعة حشدت وأعدت خصيصا ضدنا‏!‏ ثم يتجه لابوري إلي المحلفين قائلا‏:‏ إن صيحات هؤلاء الذين لا يدركون الاحترام الواجب للعدالة يجب أن تملي عليكم الصلابة المطلوبة منكم‏..‏ إنكم سادة فقولوا ـ إن استطعتم‏!!‏ هذا الرجل مذنب لأنه اجترأ علي الجهاد ضد الشهوات والاحقاد‏,‏ ولأنه غضب غضبته من أجل العدالة ومن أجل الحق والحرية‏!.‏
    اتسع صدر النائب العام شيه دي ستانج للمحاماة ومقتضياتها‏,‏ فوضع في قضية الأستاذ أوليفييه المشهورة ـ تحديدا دقيقا لحرية المحامي واستقلاله وحدود علاقته بالنيابة العامة‏,‏ فطفق يقول‏:‏ لا أحد ينكر حرية المحاماة‏,‏ إن هذه الحرية حق للمحاماة‏,‏ ويجب أن تبقي لها حقوقها‏,‏ إنها ليست مكسبا للمحاماة‏,‏ وهي ملك لها‏.‏ فإن المحاماة لا تتمتع بها من أجل المحامين‏,‏ ولكن من أجل الصالح العام‏:‏ صالح المتقاضين وصالح جميع المحامين‏..‏ من حق المحامي حين يهاجم الدعوي العمومية ـ أن يهاجم نظرياتها‏,‏ ويقول ويكشف فسادها‏,‏ ويهاجم الأساس الذي أقيمت عليه تلك النظريات ويعري خطأها ويهاجم الوقائع التي أسست عليها‏,‏ وان يثبت عكسها‏,‏ من حقه أن يبدي ما يريد في اندفاع وحرارة لا يخلوان من الحماسة‏,‏ فإن الارتجال موهبة يعلم موهوبوها أكثر من سواهم أنها تتطلب حماسة واندفاعا‏,‏قد تشوبه أغلاط لغوية أو نحوية أو غيرها ـ ولكنها تدل كلها علي جريان ماء الحياة في شرايين المحامي المترافع‏!‏
    قد حمل المحامون علي مدار التاريخ نصيبهم من المسئولية عن مخاطر الارتجال وهو عدة المرافعات‏,‏ فلم تستطع العدالة أن تنظر إلي ذلك بعين الإشاحة أو الإهمال‏,‏ فكان ما أوردته التشريعات عن حصانة المحامي في مرافعته الشفوية والمكتوبة‏!‏
    الصعوبة التي يلقاها المحامي في النهوض برسالته‏,‏ أنه في مشيه فوق الأشواك لدحض أو تجريح شهادة الشهود أو تقارير الخبراء أو الخصوم أو اجراءات الشرطة أو تحقيقات النيابة وقراراتها‏,‏ يواجه صعوبة مضاعفة‏,‏ لأن القضاء الجنائي يقوم أساسا علي المرافعة الشفوية قبل المكتوبة‏,‏ وللإرتجال مخاطره ومحاذيره‏,‏ لأن عباراته تأتي عفو الخاطر‏,‏ ولا تتاح لقائلها الفرصة الزمنية الكافية لإعمال التأمل والفحص والموازنة فيها‏,‏ وإنما تنساب من عقله الي لسانه إنسيابا فوريا‏,‏ وإلا صارت مطالعة يملها السامعون‏,‏
    ولا تحمل ذات السخونة التي تصاحب المرافعة النابعة من وجدان منفعل مشحون بما يقول‏..‏ إذا فقدت المرافعة هذه الحياة الدافقة‏,‏ وتحولت الي تلاوة ـ فقدت شحنتها التأثيرية في وجدانات المتلقين‏.‏ من أجل هذا كانت المحاماة موهبة تنمي بالدر


    _________________
    حسام الدين منير

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017, 10:55 am