المحـكمون العرب يرحب بكم حسام الدين منير محام ومحكم ووكيل براءات اختراع عضو اتحاد المحامين العر

اهلا وسهلا بكم في موقعنا المتواضع الذي يشرف بزيارتكم العظيمه له
المحـكمون العرب يرحب بكم حسام الدين منير محام ومحكم ووكيل براءات اختراع عضو اتحاد المحامين العر

موقع قانوني يهتم بكل فئات وفروع القانون وبالاخص الفروع المستحدثه من القوانين مثل التحكيم والملكيه الفكريه


    في محراب العداله

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 168
    نقاط : 464
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 18/06/2009
    العمر : 42

    في محراب العداله

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 23 فبراير 2013, 10:20 am

    رسالة المحاماة‏:‏ في محراب العدالة‏
    مهمة العدالة مهمة بالغة السمو‏,‏ بالغة الخطر أيضا‏..‏ الي اقامتها تعزي استقامة الأحوال‏,‏ والي غيابها يرتد كل جنوح وانحراف‏,‏ وكل غضب وانفعال‏,‏ وجموح وثورة‏..‏ لن يخطئك حين تراجع سيرة فرد‏,‏ أو جماعة‏,‏ أو دراسة حدث‏,‏ ان تدرك ان الانفعال الذي قدم له أو أسلس اليه‏,‏ هو غياب عدل‏,‏ قد يرده البعض الي قصور القانون‏,‏ أو الي غلبة القوة والأقوياء‏,‏ أو الي اختلال الميزان أو الموازين‏,‏ أو الي ضياع البوصلة‏,‏ أو الي قصور رسالة العدالة عن القيام بواجباتها وتحقيق غاياتها‏,‏ وقد يرد البعض هذا القصور الي قصور أفراد أو جماعات أو فئات‏,‏ وقد يرده آخرون الي اختلاف الحظوظ والمقادير وهي الي العشوائية أقرب‏,‏
    وقد يجمح آخرون كأنهم ـ في جموحهم ـ يعاتبون السماء علي عدالة غائبة تركت الانسان نهبا لجنوح الجانحين وطغيان الشر والأشرار‏,‏ وغلبة الأثرة علي الايثار‏,‏ وانعدام أو تواضع الحظوظ ازاء أخري مفتوحة علي الواسع‏,‏ أو الي نازلات لا يفهم عجز الإنسان لها حكمة وغاية فيسوقه هذا وذاك الي مضاضة وضيق ثم إلي اعتراض وشرود‏,‏ ثم الي جنوح وغضب‏,‏ ثم الي التهاب وثورة وجموح‏!‏ هذه كلها مظاهر يلمسها المراقب المتأمل المتدبر‏,‏ ويلمس معها تفاوتا صعودا وهبوطا‏,‏ كما وكيفا تبعا لأسباب الاعتراض من ناحية‏,‏ وتكوين نسيج الجانح من ناحية أخري ـ لذلك فغياب العدل هو مقدمة لتداعيات بالغة الجسامة بالغة الخطر لا يعلم متي وكيف تتراجع وتنحسر الا أن يدركها الله عز وجل بلطفه ورحمته‏!‏
    وخطير علي العدالة‏,‏ ليس فقط أن تضيع موازينها بين الناس‏,‏ وانما أيضا أن تهتز بوصلتها بين اركان الثلاثي القائم علي تحقيقها ورعايتها والعناية بها وبذل قصاري المستطاع للنهوض برسالتها‏..‏ تختلف الأدوار في محاريب القضاء ـ نعم‏,‏ تنشد النيابة غير ما تنشده المحاماة‏,‏ وتفترق بكليهما السبل بين سعي الي الاثبات‏,‏ وسعي آخر الي الدرء والابراء‏,‏ وبين هذه وتلك يقف القضاء ممسكا الميزان‏,‏ ساعيا الي العدل الذي يرمز اليه بفتاة معصوبة العينين‏,‏ لا تميز ولا تفرق ولا تستهدف الا غايتها الكبري في احقاق الحق‏..‏ هذه الغاية لا يسع النيابة ولا يسع المحاماة‏,‏ الا أن تقرا بأنها هي هي غايتهما أو غاية كل منهما‏,‏ وأن الاختلاف الواسع أحيانا ـ فيما بين أدائهما‏,‏ هو اختلاف في النظر والرؤية‏,‏ وفي الطريق والوسيلة‏,‏ ولكنهما يجتمعان في النهاية علي طلب الحق‏..‏ هذا الذي ينشده القضاء ويسعي الي اقراره‏!‏
    تضيع البوصلة من المحامي اذا ضاق بالنيابة ودورها‏,‏ أو سارع اليه سوء الظن أو سوء الفهم‏,‏ فيحسبها ضده ولا يدرك أن مهمتها لا تتعلق بشخصه‏,‏ ولا تترصده عنية‏,‏ وانما هي تدافع ـ وبوجهة نظرها ـ عن حق المجتمع في أن يصان له أمانه‏,‏ وفي أن تكون جادة أمينة علي فاعليات منتجة لمحاصرة الجريمة واثبات أدائها والوصول الي معاقبة الجاني أو الجناة فيها‏!‏
    وتضيع البوصلة من النيابة‏,‏ اذا عدت المحاماة تطفلا علي الدعوي أو عليها‏,‏ أو صنفتها علي أنها مجرد تسويغ للباطل وانكار للحق ومن ثم حماية أو تشجيع علي الانحراف والفساد‏..‏ وتضيع البوصلة من النيابة أكثر‏..‏ حين تصرفها السلطة التي تملك مقاليدها عن تقدير المحامي كزميل معهد وحامل رسالة وصاحب دور علينا أن ننظر اليه باحترام‏,‏ وأن نعينه علي القيام بمهمته الثقيلة وهو يقف الي جوار متهم أحاطت به وحاصرته ظروف صعبة لا قدرة له علي مواجهتها بغير متخصص عالم عارف بعلمه جامع لخبراته مالك لنواصيه مخلص لرسالته‏..‏ وأن ندرك أن هذه الملكات الواجبة في المحامي ـ ليست تحديا للنيابة ولا لقدرات النيابة أو القضاء‏,‏ وانما هي أقدار ومهام وأنصبة موزعة في محراب العدالة علي كل أن ينهض بنصيبه منها دون أن يتبرم بأداء وسعي الآخرين‏!‏
    وتضيع البوصلة من القضاء اذا لم يستوعب بسعة صدر وتمام ثقة وقوة يقين‏.‏ أنه فوق هذه وتلك بالمنصة العالية التي يرتقبها وبالعدالة السامقة التي يتغياها ويسعي اليها ولا يصرفها عنه صارف‏..‏ فاذا كانت الندية هي قوام تقارع الحجج بين النيابة والمحاماة‏,‏ باعتبارهما يمثلان الاتهام والدفاع‏,‏ فان السمو السامق هو عدة ومهمة القاضي والقضاء باعتباره القمة الموكول اليها الموازنة العاقلة الواعية الفاهمة المعتدلة المتجردة المنصفة بين هؤلاء وأولاء‏..‏ وأنها تفقد دورها السامق اذا صنفت نفسها بين الأخصام‏,‏ ولم تدرك أنها عالية علي القمة هناك‏..‏ اليها الحكم والفصل ـ وأن هذا لم يجعل لها الا لكونها أسمق وأعلي وأكثر تجردا وآمن حرصا علي العدل ممن قد يصرفهم تقارع الحجج وزهو النجاح عن ادراك غاية ومكنون وجوهر العدالة‏..‏ لا يستطيع القاضي ـ وهو الأعلي مقاما بحكم موقعه الموكول اليه ـ أن يسير بدعواه الي مرساها اذا ضاق صدره مهما اشتط أو طال الأداء‏,‏ أو اذا ضاق صبره عن الاستماع
    أو اذا ظن أنه يستغني بعلمه عن الانصات‏,‏ أو اذا سمح بترك أي انطباع يسري ـ خطأ أو صوابا ـ بأنه صاحب ميل أو أنه طرف من أطراف الخصومة‏,‏ أو أنه يعتبر سعي النيابة أو اجتهاد المحاماة انتقاصا من وقته أو من قدرته علي الفهم والتقدير والموازنة‏..‏ هذه قدرات مفترضة فيه‏,‏ والا ما ولي المنصة العالية‏,‏ ودورها آت لاريب فيه حين ينطق حكمه فاصلا بالعدل بين ما سمعه من حجج وأدلة وبراهين الخصوم‏..‏ هذا هو فصل الخطاب الذي انعقد وينعقد للقضاء‏,‏ أما ميزان الذهب في بيان وتقدير دور ومكانة كل ضلع من اضلاع هذا المثلث الذهبي‏,‏ فدعونا نلتق واياه في حديثنا القادم مع عبد العزيز باشا فهمي شيخ القضاة والمحامين‏,‏ في كلمته الضافية التي افتتح بها حفل انشاء محكمة النقض والابرام المصرية في‏5/‏ نوفمبر‏1921.‏
    في تأبينه للراحل العظيم عبدالعزيز باشا فهمي‏,‏ قطب المحاماة‏,‏ وقطب القضاء‏,‏ وقطب السياسة والوطنية‏,‏ وقطب الفكر والأدب والثقافة‏,‏ وقطب الإصلاح‏,‏ وقطب مجمع اللغة العربية‏,‏ وقف الأستاذ الكبير عبدالرزاق السنهوري يقول‏:‏ إن الرجل الذي نؤبنه كان يمثل جيلا كاملا‏,‏ بما ينطوي عليه هذا الجيل من علم ووطنية وأدب وثقافة وتفكير‏!‏
    هذا الاتساع الذي جعل عبدالعزيز فهمي ممثلا لجيل بأكمله‏,‏ مرده إ لي تعددية وموسوعية في نسيجه بوأته الصدارة في كل ما تولاه أو اضطلع به‏,‏ تقلب حياته بين المحاماة فعرفته محاميا جليلا‏,‏ وثانيا للنقباء العظام في زمن العلم والجلال والوقار‏,‏ وبين القضاء فصار أول رئيس لمحكمة النقض لدي إنشائها عام‏1931,‏ وبين السياسة والوطنية فرأته مصر أحد ثلاثة يقابلون المعتمد البريطاني يطالبون باستقلال مصر ويفجرون ثورة‏1919,‏ وفي الوزارة والسلطة التشريعية ومجمع الخالدين‏,‏ فعرفته مصر والعالم مناضلا لإلغاء الامتيازات الأجنبية‏,‏ وعضوا بارزا في لجنة وضع الدستور‏,‏ وقاضيا عظيما لم يجاره أحد في صياغته الرائعة للأحكام والمبادئ‏,‏ ونصيرا للحرية فقدم استقالته كوزير للحقانية انتصارا لحق علي عبد الرزاق في التعبير عما يراه في كتابه الإسلام وأصول الحكم‏,‏ ومساهما لافتا في مجمع اللغة العربية لا يثنيه شيء عن إبداء ما يراه كفيلا بالتحديث أو التجديد مهما اختلف معه الناس‏!‏
    هذه التعددية مع توحد الشخصية‏,‏ ومع الثقافة العريضة‏,‏ والأفق الأعرض‏,‏ هي التي تحدث بها عبدالعزيز فهمي يوم افتتاح أعمال محكمة النقض في نوفمبر‏1931,‏ فجمع فيها جمع العارف المقدر لكل من المحاماة والنيابة والقضاء‏,‏ في عمق فكر واتساع أفق لا انحياز فيه‏,‏ حتي استطاع وهو يتبوأ موقع قاضي القضاة‏,‏ ويترأس أول رئاسة لمحكمة النقض أن يطري المحاماة بأكثر مما أطراها به أعظم المحامين‏,‏ ويبدأ كلمته بدرس للقضاة لا يتصدي لإلقائه إلا مثل هذا الأب الموسوعي العريض‏,‏ لا يستنكف من الإشارة إلي أن الخطأ في القضاء وارد‏,‏ لا يعز عليه بشر‏,‏ فيقول للسامعين من كبار رجال القضاء‏:‏
    هذه المحكمة التي أنشئت لتلافي الأخطاء القانونية في الأحكام النهائية‏,‏ كان وجودها أمرا ضروريا جدا‏,‏ فإنه لا يوجد أي قاض يستطيع أن يدعي لنفسه العصمة من الخطأ‏,‏ ولقد حاول الشارع المصري أن يتلافي بعض ما قد كان يقع من الخطأ في المسائل القانونية فأنشأ نظام الدوائر المجتمعة‏,‏ لكنه كما تعلمون حضراتكم‏,‏ كان قاصرا جدا‏,‏ لا يتعرض للأحكام النهائية بشيء‏,‏ ولا يمسها أدني مساس‏,‏ بل كان مقصورا علي ناحية من نواحي التقويم والإرشاد في المبادئ القانونية دون أن يصلح من الأحكام نفسها‏,‏ وقد سارت محكمة استئناف مصر الأهلية زمنا طويلا علي هذا النظام‏,‏ حتي أنشئت محكمة استئناف أسيوط فأصبح غير واف بالغرض وأصبح من الضرورات القصوي إيجاد نظام النقض والإبرام الذي هو وحده الكفيل بتحري أوجه الصواب فيما يتعلق بالأحكام النهائية وإصلاح الخطأ فيها‏,‏ لأنه يؤثر في تلك الأحكام ويبين ما بها من الأغلاط القانونية‏,‏ ويدعو إلي إعادة الإجراءات في القضايا الصادرة فيها‏,‏ فنحن مغتبطون بهذا النظام‏,‏ ونحمد الله تعالي علي أنه أنشئ الآن‏.‏
    ثم لا ينسي هذا الموسوعي العريض‏,‏ وهو يبدي فخره بعظماء القضاء‏,‏ أن يقرن قوله بتأكيد عظمة المحاماة وإجلاله واحترامه العميق للمحامين‏,‏ فيقول‏:‏ وإن سروري يا حضرات القضاة وافتخاري بكم ليس يعدله إلا إعجابي وافتخاري بحضرات إخواتي المحامين الذين أعتبرهم كما تعتبرونهم أنتم عماد القضاء وسناده‏,‏ أليس عملهم هو غذاء القضاء الذي يحييه؟ ولئن كان علي القضاة مشقة في البحث للمقارنة والمفاضلة والترجيح فإن علي المحامين مشقة كبري في البحث للإبداع والتأسيس‏,‏ وليت شعري أية المشقتين أبلغ عناء وأشد نصبا؟ لاشك أن عناء المحامين في عملهم عناء بالغ جدا لا يقل البتة عن عناء القضاة في عملهم‏,‏ بل اسمحوا لي أن أقول إن عناء المحامي ـ ولا ينبئك مثل خبير ـ أشد في أحوال كثيرة من عناء القاضي‏,‏ لأن المبدع غير المرجح‏!‏
    لا يترك الموسوعي العريض هذا التكريم للمحاماة مجدولا بتكريم القضاء‏,‏ إلا ويركز علي أواصر العلاقة والتعاون الذي ينبغي أن يكون بينهم فيقول‏:‏ هذا يا إخواني المحامين نظرنا إليكم‏,‏ ورجاؤنا فيكم أن تكونوا دائما عند حسن الظن بكم‏,‏ وإن تقديرنا لمجهوداتكم الشاقة جعلنا جميعا‏,‏ نحن القضاة‏,‏ نأخذ علي أنفسنا أن نيسر عليكم سبيل السير في عملكم‏,‏ وإن أية فرصة تمكننا من تيسير السير عليكم لا نتركها إلا انتهزناها في حدود القانون ومصلحة المتقاضين‏,‏ ذلك بأن هذا التيسير عليكم تيسير علي القضاة أيضا‏,‏ إذ القاضي قد تشغله الفكرة القانونية‏,‏ فيبيت لها ليالي موخوزا مؤرقا مثل شوك القتاد‏,‏ يتمني لو يجد من يعينه علي حل مشكلها‏,‏ وإن له لخير معين في المحامي المكمل الذي لا يخلط بين واجب مهنته الشريفة وبين نزوات الهوي ونزعاته‏,‏ ولا يشوب عمله بما ليس من شأنه ـ إذا كان هذا ظننا بكم ورجاءنا فيكم فأرجو أن تكونوا دائما عند حسن الظن بكم‏,‏ وتقدروا تلك المسئولية التي عليكم‏,‏ كما يقدر القضاة مسئوليتهم‏!‏ وأظنني إذ ذكرت إخواني القضاة والإعجاب بهم‏,‏ أني أدمج مع القضاة حضرات إخواني وزملائي النائب العمومي ورجاله‏,‏ فإنهم هم أيضا سيكون لهم إن
    شاء الله القدح المعلي فيما يتعلق بإحقاق الحق في المبادئ القانونية‏,‏ نحن إذن نفتخر بالمحامين وبالنيابة وبالقضاة جميعا‏!‏
    هذه الكلمات العميقة المضيئة ظلت تعبر دهورا عن العلاقة المتينة القائمة علي الاحترام والتقدير المتبادل لأضلاع المثلث الذهبي في أداء كل لدوره الواجب في محراب العدالة‏..‏ هذه العدالة التي أنيطت برسل القضاء الذين في كنفهم وكنف عدلهم وسعة صدرهم وعقلهم تسعي النيابة وتسعي المحاماة‏..‏ وفي رحابهم ترجو العدالة أن يأتي الانتصار لها بكلمة الحق التي بها تنطق ألسنة القضاة ومهجهم وضمائرهم‏!‏
    لقد كان عبدالعزيز فهمي تعبيرا حيا نابضا صادقا عن جيله في عصر جميل مضي‏..‏ فهل نتقدم إليه؟‏!
    لا يملك المطلع علي الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية من عام‏1883‏ حتي‏1933‏ والمطبوع بمجلديه الكبيرين سنة‏1937,‏ لا يملك أن يفارقه إعجابه بهذا العمل العظيم اللافت‏,‏ بدءا بالطباعة الفاخرة علي الورق المصقول الفاخر‏,‏ وفنون الخط العربي البديعة‏,‏ وانتهاء بكل ما حواه وحفظه للأجيال بتسجيله المميز الدقيق والمشفوع بالصور النفيسة لصفحات وأعلام القضاء المصري في ذلك الزمان‏..‏ هؤلاء الذين تسلموا الأمانة من زمن مثخن بآفات كثيرة‏,‏ ليضعوا لبنات أساس عريض ويثابروا في جد وإخلاص علي استكمال البناء ليسلموا للأجيال التالية راية القضاء جديرة به وبمصر في تطلعها إلي مستقبل مزهر‏.‏
    فلا يكاد المطالع للكتاب يمضي مع آيات عديدة جديرة فيه بالإعجاب‏,‏ حتي يلفته بقوة ما كانت عليه العلاقة القائمة علي التقدير المتبادل البالغ بين القضاء والمحاماة‏..‏ كلاهما متجاوران‏,‏ سواء في الاحتفال بافتتاح محكمة استئناف أسيوط في‏1926/3/10‏ الذي خطب فيه من رجال المحاماة حضرة صاحب العزة الأستاذ إبراهيم الهلباوي المحامي الكبير‏,‏ وحضرة الأستاذ ناشد حنا نقيب محامي أسيوط‏,‏ وحضره المحامون مع القضاة‏,‏ أم في الاحتفال بإنشاء محكمة النقض في‏1931/11/5‏ الذي فيه أطري قاضي القضاة عبدالعزيز باشا فهمي المحاماة إطراء العارف المقدر الحفيظ علي هذه الصلة القائمة علي التقدير المتبادل‏.‏
    ثم لا يكاد يفرغ المتأمل من الالتفات إلي هذه الملحوظة حتي يدرك أن الأمر لم ينحصر في مجاملات أو تشارك في احتفالات‏,‏ وإنما صارا فيه ـ القضاء والمحاماة ـ شريكين قسيمين أو يكادا في تدبيج الكتاب الذهبي نفسه عن المحاكم الأهلية‏.‏ فيكتب ـ إلي جوار القضاة ـ صاحب العزة عزيز خانكي بك المحامي عن التشريع والقضاء قبل وبعد إنشاء المحاكم الأهلية‏,‏ مثلما يكتب عن المحاماة قبل إنشاء المحاكم الأهلية‏,‏ ويكتب عنها بعد إنشائها صاحب العزة توفيق درس باشا المحامي‏,‏ ثم يكتب صاحب العزة إبراهيم الهلباوي المحامي عن أعلام القضاء الأستاذ الإمام محمد عبده الذي أمضي في القضاء سبع سنوات من عام‏1888‏ حتي عين مفتيا للديار المصرية في‏1899/6/5,‏ وعن الأستاذين القاضيين الكبيرين حسن باشا عاصم وقاسم أمين صاحب تحرير المرأة والمرأة الجديد‏,‏ وكما يكتب صاحب العزة مصطفي بك محمد عن المجالس الحسبية‏,‏ وصاحب السعادة أمين أنيس باشا عن محكمة النقض والإبرام‏,‏ وصاحب العزة كامل مرسي بك‏(‏ باشا فيما بعد‏)‏ عميد كلية الحقوق عن الكلية‏,‏ وصاحب العزة صليب سامي بك‏(‏ باشا فيما بعد‏)‏ عن إدارة قضايا الحكومة التي يرأسها‏,‏ نري الأستاذ زكي عريبي المحامي يكتب عن لغة الأحكام ـ نعم الأحكام ـ إلي جوار كتابته عن لغة المرافعات‏.‏
    هذا التجاور يحس القارئ بمنابعه ورسوخه حين يري كثيرا من رجال القانون قد تقلبوا ذهابا وإيابا بين القضاء والمحاماة كسعد زغلول‏,‏ ومحمد لبيب عطية‏,‏ وحامد فهمي‏,‏ وسيد مصطفي‏,‏ وسليمان حافظ‏,‏ وأحمد نشأت‏,‏ ومصطفي مرعي وغيرهم‏,‏ وحين يري أن منصب وزير العدل لم يكن قصرا علي رجال القضاء‏,‏ فشغله محامون قضاة وقضاة محامون قبل كثير من تعيين الرئيس عبدالناصر للمحامي فتحي الشرقاوي وزيرا للعدل في الستينيات‏..‏ لم يكن ذلك التعانق رضوخا أو استجابة لنص ـ قائم الآن لكنه معطل ـ يخصص نسبة للمحامين في تعيينات القضاء‏,‏ وإنما صدي لاقتناع عميق متغلغل في نسيج رجال ذلك الزمان الذين آمنوا بأن رسالة العدالة تضم الجميع في حناياها بتآخ وتقدير متبادل‏.‏إذن لم يكن حديث عبدالعزيز باشا فهمي في حفل إنشاء محكمة النقض‏,‏ مجرد كلمات طلية لزوم الاحتفال والمجاملات‏,‏ وإنما كان تعبيرا صادقا عن حالة حقيقية نجح بها هؤلاء الأسلاف العظام في الخروج من زقاق الانحياز الفئوي إلي باحة الرؤية الشاملة التي تدرك أن رسالة العدالة جديرة بأن تؤلف بين الساعين في محرابها وأن تجمعهم ـ مهما اختلفت مواقفهم وأطروحاتهم ـ علي غاية واحدة‏,‏ وألا يخل اختلاف المواقع أو الأدوار بإحساس الجميع بأنهم ينتمون إلي أسرة واحدة وتجمعهم ـ رغم اختلاف الرؤي ـ غاية واحدة‏..‏ فنري في مجلدي الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية كيف أن رجال القضاء ورجال المحاماة قد انصرفوا جميعا إلي همه في خدمة العدالة بلا تحوصل أو تمحور أو انحياز‏,‏ ونعجب لهم وبهم وهم يتبادلون المواقع بلا حساسية‏,‏ فيتحدث قاضي القضاة والقضاة عن المحاماة والمحامين‏,‏ ويتحدث المحامون عن القضاء والقضاة والمحاكم الأهلية والحسبية‏.‏ ومع أن الكتاب الضافي هو للمحاكم الأهلية وعنها بما يغري بأن يقتصر التناول والحديث فيه علي المحاكم والقضاء والقضاة‏,‏ فإننا نري أن الكتاب الذهبي يفسح المجال ـ راغبا مرحبا بالمحاماة وقضاياها وبنائها وسبلها‏..‏
    يكتب الأستاذ زكي عريبي المحامي عن لغة المرافعات‏,‏ ويفسح الكتاب للمحامي النابغة أحمد رشدي ليتحدث عن المحاماة كما يعرفها‏..‏ فيورد ـ فيما يورد ـ عن دراسة المحامي وثقافته الواجبة‏:‏ إن من التزيد في الكلام أن يقال إن علي المحامي أن يتفقه في القوانين فهما واستذكارا‏,‏ فما ينبغي أن يكون المحامي شيئا إذا لم يكن كذلك‏.‏ أما أن يصبح محاميا حقا فذلك يوم لا يفوته النصيب المسعف من كل علم بينه وبين عمله صلة تكاد لا تنقطع‏,‏ إنه لا محيص له من أن يصيب حظا وافرا من الفقه الشرعي والتاريخ والمنطق وعلم الاجتماع وعلم النفس وآداب البحث والمناظرة‏,‏ إلي حظ مؤات من مبادئ العلوم الطبية والميكانيكية‏,‏ وليس ذلك بعجيب ولا هو بمستكثر‏..‏ إن ضرورة العمل وحسن أدائه أصبحا يقتضيان من المحامي أن يختزن في وعاء قلبه من المعارف ما لا يتأدي التوفيق في المرافعة وبحث القضايا إلا به‏.‏ أليس مما يشين المحامي أن يكون لقضيته اتصال بفن من الفنون‏,‏ وأن تنضاف إلي أسنادها تقارير خبراء فنيين ثم يقف هنالك زائغ البصر عاجزا عن تفلية هذه التقارير ليميط ما فيها من باطل أو ليقيم ما بها من حق؟‏!.‏
    ثم في سلاسة حانية‏,‏ وبصيرة نافذة‏,‏ يوصي المحامين بوصاياه النفيسة‏,‏ وبفنون المرافعة من حصاد تجربته الطويلة المتميزة‏.‏
    ومن اللافت أن هؤلاء الأسلاف قد بنوا هذا البناء قبل أن يدين لهم ما دان لنا اليوم من المعارف والعلوم والثقافة‏,‏ مما كان محل سعي وطلب ومجاهدة للتحصيل في زمن هؤلاء الأسلاف الذين وضعوا الأساس‏,‏ فلم يكن في قبضتهم ومتناولهم ما صار سهل المنال‏,‏ ميسور التحصيل في مصادر عديدة تزايد في زماننا مبوبة ومفهرسة في المجموعات والمراجع وشبكات الإنترنت‏..‏ وتراكمت إلي جوار المعارف التقاليد التي صارت دستورا مكتوبا وغير مكتوب‏,‏ ومع ذلك فإن جعبة اليوم خلت من كثير مما ضربه الأسلاف من أمثال‏..‏ وخطوه وحفروه من قيم وتقاليد ومبادئ‏.‏
    كانت جعبة الماضي في هذا الجانب أكثر ثراء وبعدا عن الكبوات‏..‏ وربما كان مرجع هذا إلي موجة الإنشاء والتأسيس‏,‏ وما يصاحب هذا عادة من همم ماضية وجد أخلص تستلزمه الآمال الكبار في البناء‏!!‏ وهذا قريب من دورات الحضارات التي تصاحبها إيجابيات في مرحلة البناء والتكوين والاندفاع‏,‏ ثم سرعان ما يصيبها التراخي ثم الوهن والتحلل والتفكك بما يصاحبه من ميل كل فئة إلي التمحور الذي يسلس ـ ربما باللاوعي ـ إلي الانحيازات الفئوية التي تعطل في الواقع رسالة العدالة‏,‏ وتحل سلبيات ناحرة محل إيجابيات ثرية معطاءة كان حريا بالحاضر أن يضيف إليها لا أن ينحر منها‏!!‏
    الكلمة المنطوقة هي جسر المحامي إلي القاضي أو القضاة في محراب العدالة‏,‏ وكونها كلمة يستوجب أن يكون لها معني‏,‏ وأن توظف في عبارة تحمل وتعطي مضمونا‏,‏ وأن تأتي في سياق يجعل لها غاية‏..‏ أما كونها منطوقة ـ فإنه يستوجب أن يكون لها معمار‏,‏ وأن تكون لها موسيقيتها الذاتية وموسيقاها في سياق عبارتها المتجاوبة مع المعني الذي تنشد بيانه وجلاءه‏..‏ قد قيض لي أن أنتبه إلي منابع هذا كله قبل أن تتاح لي فرصة الاطلاع والدراسة‏..‏ كان أبي ـ رحمه الله ـ محاميا من الجيل الذهبي‏,‏ وعيت منذ الطفولة إهتمامه بالقرآن الكريم‏,‏ يرتله ويختمه في كل رمضان خمس أو ست مرات‏,‏ ويرتب مقرئا يتلو شيئا منه كل صباح في المكتب وفي السكن حتي صار فردا من الأسرة‏..‏ علي أن الذي أدهشني‏,‏ أنني عثرت في غرفة المتروكات بالمكتب علي عود قديم علاه التراب‏,‏ فأبيت إلا أن أبحث عن تفسير يحل ما رأيته آنذاك تناقضا بين قراءة القرآن وترتيله‏,‏ وبين أهازيج العود وموسيقاه‏..‏ لم يشف غليلي إلا كلمات الأب الأستاذ أن للقرآن الكريم موسيقي ومعمارا‏,‏ وأن فنون القراءة والترتيل والتجويد قائمة علي الإمساك بقواعد تجد بغيتها في الموسيقي‏,‏ وأن عالمها عالم واسع‏,‏ وأن الأغاني للأصفهاني محيط زاخر في البحور والأوزان والطبقات الصوتية‏,‏ وبفنون الشعر والنثر ـ وأن هذه وتلك الأزمة من لوازم فنون الإلقاء في المحاماة‏,‏ وأن المحامي ليس حسبه أن يلم بالقانون ويبحر في عوالم الثقافة والمعرفة ليمتليء رأسه ويتفتح عقله ويربو حصاده‏,‏ وإنما عليه أن يمسك زمام وسائل الإقناع وأن يدرك أن فرصة الكلام والحجة في بلوغ الغاية تتفاوت صعودا وهبوطا‏,‏ أو إيجابا وسلبا ـ علي قدر ما يستطيع المحامي أن يجدل المعاني في عبارة محبوكة‏,‏ وأن يلقي بها بفن يحفظ له جسرا حيا وواجبا بينه وبين منصة القضاء‏..‏ الحديث في محراب العدالة حديث خاصة إلي خاصة‏,‏ وهكذا ينبغي أن تكون‏..‏ لا يغني المحامي فيه قاعدته المعرفية مهما اتسعت‏,‏ وإنما عليه إستعدادا لما يروم ـ أن يسكب روحه في دعواه‏,‏ وأن يستكنه أسرارها وأن يستنطق وقائعها ويستنبط طريق أو طرق العلاج فيها‏..‏ هذا الإستعداد يلتئم مع فنون الالقاء والأداء‏..‏ هذا الفن موهبة‏.‏ نعم‏,‏ ولكنه إلي جوار ذلك علم ودراسة‏..‏ الدربة تأتي من الممارسة‏,‏ ولكن الدراسة بحورها عميقة لا ينبغي للمحامي أن يكف عن الخوض فيها‏..‏
    البيان والتبيين ـ إسم علي مسمي لكتاب وضعه عبقري العربية أبو عثمان الجاحظ‏..‏ فقد ظل منذ القرن الثالث الهجري عمدة المراجع في إرشاد الراغبين في امتلاك ناصية البيان والقدرة علي التعبير وتبيين المشكل ليصير جليا‏..‏ لايمكن لمحام عاشق للمحاماة أن يدع قراءة وتحصيل هذا الكتاب ضميما إليه كتاب فن الإلقاء‏..‏ كتبه عبد الوارث عسر عبقري التمثيل وأستاذ الإلقاء الذي علم فنونه إلي الكثيرين من طلاب بل وأساتذة فنون التمثيل المسرحي والسينمائي‏..‏ الفارق بين الكتابين يكمن في فاصل أكثر من ألف عام‏,‏ ثم فيما حصله القدير عبد الوارث عسر من تجربته المسرحية علي التخصيص‏.‏
    في البيان والتبيين يقول الجاحظ‏:‏ ـ ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني‏..‏ ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين‏..‏ وبين أقدار الحالات‏..‏ فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما‏.‏ ولكل حالة من ذلك مقاما‏.‏ حتي يقسم أقدار الكلام علي أقدار المعاني‏..‏ ويقسم أقدار المعاني علي أقدار المقامات‏..‏ وأقدار المستمعين علي أقدار تلك الحالات‏.‏
    لم يلق الجاحظ بحكمته ويمضي‏,‏ وإنما تعهدها بالتخديم ليصل مع قارئه إلي غايته‏..‏ البيان والتبيين لهما قواعد تجمع بين العلم والمعرفة من ناحية‏,‏ وبين مجدولة تتكاتف فيها الكلمة بفنون القائها‏,‏ مع الاشارة والإيماءة التي تتناغم مع الكلمة والقائها من ناحية أخري‏!‏ لم يكن الجاحظ ببيانه وتبيينه ولا بإحصائه المتمكن لأدوات ووسائل إخراج الكلام‏,‏ ولا لعيوب اللسان ـ لم يكن بعيدا عن ذاكرتي حين وقعت علي كتاب فن الالقاء للأستاذ القدير عبد الوارث عسر‏..!‏ هذا الكتاب تحفة عصرية لا يستغني عنها كل عامل مهتم بفنون الالقاء‏,‏ خطيبا كان أو ممثلا أو محاضرا أو محاميا‏..‏ الإلقاء فن لأنه مزاوجة بين العلم والذوق والجمال والموهبة‏..‏ للنطق قواعد تستوجب إتقان مخارج الحروف وصفاتها‏,‏ وأدوات النطق مخارج خمسة للأحرف والكلمات‏:‏ الجوف‏,‏ الحلق‏,‏ و اللسان‏,‏ و الشفتان و الخيشوم‏(‏ داخل الأنف من أعلاه‏)..‏ ولكل مخرج من هذه المخارج حروفه الأقدر من غيره علي إخراجها‏,‏ ولكل أداء وإيقاع المخرج الأنسب له تبعا للمراد‏..‏ يعرف المتقن لفن الالقاء متي يعلو بصوته ومتي ينخفض به ومتي يهمس‏..‏ متي يقترب من المتلقي ومتي يبتعد‏..‏ متي يقف ومتي يبدأ‏..‏ إن القارئ للقرآن ليعرف من مفتاح المصحف علامات الوقف والإبتداء‏:‏ م و لا و صلي و قلي و ج و‏…..‏ لا يجيد التلاوة ولا يحصل المعني من لا يعرف متي يكون الوقف لازما ومتي يكون مستحسنا ومتي يكون ممنوعا‏..‏ كذلك الالقاء‏..‏ يتعانق الفن فيه مع المضمون‏.‏ ليقدما شحنة صالحة للبيان قادرة علي التبيين والتأثير والإقناع‏.!‏
    مهمة المحامي في المرافعة أصعب من مهمة أي مرتجل يقف متحدثا إلي فرد أو مجموع‏..‏ الداعية الديني يتحدث إلي مريدين تواقين إلي سماعة والتلقي منه والإهتداء به‏,‏ والخطيب الوطني أو السياسي يخطب في جمهور يواليه وقد يتعصب له ويتشوق إلي الإنصات إليه والأخذ منه واتباعه حتي النخاع‏..‏ أما المحامي فأحسن الفروض بالنسبة له هو رغبة القاضي أو القضاة في أداء الواجب‏,‏ وهذه الرغبة تقابلها عوارض وقد تصادفها منغصات‏,‏ ما بين رول مزدحم بالقضايا‏,‏ أو سخونات في تضاعيف الأداء وظروف الجلسة‏,‏ فضلا عن ضيق المكان ـ ربما‏,‏ وعن الزحام‏,‏ وعن إلحاح الوقت والرغبة في الإنجاز ـ ولذلك فإن المحامي مطالب بأن يعبر مع قاضيه فوق هذا كله‏,‏ وأن يعطيه من الجدية والعمق ورفعة وفن الأداء ما يعينه علي الإنصات ويفتح في حناياه أشواقا إلي المعرفة تجعله مقبلا علي الإستماع لاصادفا أو مشيحا عنه‏..‏ لذلك ففن الإلقاء‏,‏ مع كمال وعراضة العلم‏,‏ أساس لا غني عنه للمحامي والمحاماة‏..‏
    المرافعة الشفوية‏,‏ وقوامها الارتجال والالقاء اللذان تمتزج فيهما فنونه بناصية الحجة وقوة البيان ـ هي روح القضاء الجنائي علي التخصيص‏..‏ حتي صارت الشفوية ركنا ركينا ومبدأ أصيلا تحيد الاجراءات عن شاطيء السلامة إذا تجاهلتها أو صادرتها أو أشاحت عنها‏.‏ في ذلك تقول محكمة النقض برئاسة أحد الكبار العظام المستشار محمد وجدي عبدالصمد‏:‏ الأصل في الدعاوي الجنائية بعامة وفي مواد الجنايات بخاصة أن يكون الدفاع شفاها‏.‏ إلا إذا طلب الدفاع أن يكون مسطورا‏.‏ إعتبارا بأن القضاء الجنائي يتعلق في صميمه بالأرواح والحريات ومبني علي إقناع القاضي وما يدور في وجدانه‏.‏ حكمة ذلك أن القضاء الجنائي قضاء إقتناع ووجدان‏,‏ يقصد بذلك أن القاضي الجنائي متخفف مما يتقيد به القاضي المدني في الأقضيات المدنية المحكومة بضوابط قد لا يستطيع القاضي ذاته أن يتحاشاها حتي وإن وجد الحق والعدل في تحاشيها‏..‏ لذلك قالوا إن الحقيقة القضائية التي يتوسدها حكم القضاء ـ قد تختلف عن الحقيقة الواقعية التي ربما يراها القاضي أو يحسها ولكنه محكوم ـ أمانا لنفسه وللحق ـ بقواعد وقيود للأدلة في المجال المدني لا يستطيع أن يهدرها‏..‏ فما يجاوز ـ مثلا ـ نصاب البينة لا يجوز إثباته بشهادة الشهود‏,‏ ولا يجزيء فيه إلا الدليل الكتابي‏,‏ وما هو ثابت بالكتابة لا يجوز إثبات عكسه إلا بالكتابة‏..‏ هذه المنظومة إستقرت في الشرائع والقوانين وحكمت ولاتزال تحكم الأقضيات المدنية التي تتنازع وتتصارع أو تتقارع فيها حقوق‏,‏ بيد أن القضاء الجنائي يقضي في الحريات والمصائر بل وفي الحيوات‏,‏ فإذا إحتملت العدالة أن تختلف الحقيقة القضائية عن الحقيقة الواقعية في المجال المدني‏,‏ فإن الضمير الانساني وضمير العدل ـ يأبيانها في المسائل الجنائية التي تمس مصائر وحياة وحريات الناس‏!..‏ لذلك كان مبدأ الاقناع هو أساس القضاء الجنائي‏,‏ في رحابة يحلق القاضي فوق السحاب ناشدا الحقيقة الفعلية الواقعية لأن المصائر والحريات والحيوات لا تحتمل هنة مهما صغرت‏..‏ ومن هنا دلفت المرافعة الشفوية لتكون هي روح القضاء الجنائي‏,‏ فالمنطق الجنائي لا يقوم علي منطق الحساب والتقييد‏,‏ وإنما علي سنة الغوص والتعمق والاستشراف والتحليل‏..‏ وكلها مجالات عميقة عريضة لسبر النفس الانسانية التي تطل إطلالا حاضرا في الدعاوي الجنائية بعامة‏,‏ وحكمة ذلك واضحة‏,‏ فاشتراط الدليل الكتابي علي واقعة السرقة أو النصب أو الاختلاس أو إهدار المال العام ـ قصور سقيم لأن الجاني لا يقدم كتابة صك إدانته‏,‏ كما أن إشتراطه سقم أخطر في جرائم القتل والبلطجة والعدوان والضرب المفضي إلي الموت أو إلي عاهة‏,‏ وفي الجاسوسية أو الحرابة أو الخيانة وما إلي من صور عديدة ومتباينة للجرائم‏..‏ فليس يعقل أن يقترن إرتكاب الجرائم بتقديم الجاني دليلا كتابيا علي فعلته‏,‏ بل إن الفرض في عالم الجريمة أن الجاني ـ فيما عدا جرائم التزوير في محررات ـ يسعي لطمس الألة كتابية كانت أو مادية أو فنية‏,‏ لأن ضبط هذه الأدلة فيها هلاكه الذي يريد أن يتحاشاه ليفر بجريرته أو بجريمته‏..‏ ولكن شهادة الشهود‏,‏ والأدلة المادية والفنية بعامة‏,‏ وعلم الأدلة الجنائية من بصمات وتحاليل وأطياف‏,‏ وهي عدة القاضي الجنائي في تكوين عقيدته التي يأبي ـ ويأبي العدل ـ أن تقوده أو تسليمه لغير الحقيقة الفعلية الواقعية التي لا يرضي عنها بديلا‏..‏ وسماع الشهود وإستعراض الأدلة يتم شفاهه بتحقيق المحكمة‏,‏ وتتناولها تحليلات ومرافعات كل من النيابة والدفاع في ساحة القضاء‏..‏ هذا العلم الواسع يتنادي بالغوص والتحليق والتحليل‏..‏ هذه هي بضاعة الاتهام والدفاع‏,‏ وهي عالم القاضي الذي ينشد الحقيقة ويستخرج في الوصول إليها كل ما لديه من أدوات الاقتناع من نباهة وفطانة وذكاء وتحليل وعلم واستقراء وإستكناه وإبحار في عوالم شتي تلتئم فيها منظومة قدراته لهدايته إلي الحق الذي يريد ويريده المجتمع منه‏..‏ من أجل هذا وغيره كانت المرافعات هي الشغل الشاغل للمحامين والمحاماة‏,‏ كيف تكون‏,‏ وبأي أسلوب‏,‏ وبأي لغة‏,‏ وبأي صيغة‏,‏ وبأي إيقاع‏..‏ هذه كلها خواطر تثيرها المرافعات وتستلزم الاختيار والانتقاء والاتباع‏..‏ لا يعدم فرسان المحاماة نصائح يلقيها شيوخ المهنة والسابقون من كبار أساتذتها‏..‏ نسمع فيما نسمع لنجم المحاماة الأستاذ الكبير أحمد رشدي يتحدث عن المرافعة في الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية الصادر‏1937‏ فيقول‏:‏ ـ المرافعة رسالة يؤديها المحامي عن صاحب الحق إلي من يملك إقرار الحق أو إنشاءه؟ إذن لا مناص من أن يتزود المحامي ـ لتبليغ هذه الرسالة ـ صدق اليقين وقوة البرهان‏,‏ وأن يري كيف يمهد سبيلها إلي الأسماع ثم إلي القلوب بلطف الأداء ورفق العبارة وحسن الخطاب‏..‏ فالمرافعة ليست بذلك هي الفصاحة وحدها‏,‏ ولا هي العلم بالقانون وحده‏,‏ ولكنها قبل أن تكون غزارة علم وزخرف كلام‏,‏ يجب أن تكون حول الدعوي سياسة ويقظة واستبصارا‏,‏ وحول الدليل حذقا في الأداء ولباقة في إيراد الأمر وإصداره هكذا تكون المحاماة لمن أراد‏!.‏
    هذه المبادي العامة لا خلاف عليها‏,‏ الوقت المتاح الآن للمترافع أضيق يقينا من الوقت الذي كان متاحا له في الزمن الفائت‏,‏ ولغة الخطاب الآن ـ ومفردات اللغة ـ ليست كلغة الخطاب ومفرداته في الزمن الغابر‏,‏ وظروف الآداء التي تمارس فيها المرافعات اليوم ليست كالظروف التي كانت‏..‏ والمحامي الذي لا يدرك التطورات التي تزحف علي المرافعة يفصل نفسه عن الأداء الواجب الذي هو غايته في محراب العدالة‏..‏ فليست المرافعة محض خطابه ـ هي فرع عليها‏:‏ نعم‏,‏ يجزيء فيها الاطلال علي كتاب الخطابة لأرسطو طاسيس‏,‏ وعلي مؤلفات سير ومواطن الفن والاتقان فيمن إشتهروا بالخطابة بدءا من شيشرون ومرورا بنماذج عديدة في الغرب والشرق‏..‏ ذلك أن المرافعة خطاب خاصة إلي خاصة‏,‏ فيها من الخطابة ولكن بمعناها العصري الذي يلائم روح وظروف العصر‏,‏ وطبيعة المحاكمات وظروفها ولغة الخطاب فيها وما تستلزمه‏.‏


    _________________
    حسام الدين منير

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017, 10:56 am