المحـكمون العرب يرحب بكم حسام الدين منير محام ومحكم ووكيل براءات اختراع عضو اتحاد المحامين العر

اهلا وسهلا بكم في موقعنا المتواضع الذي يشرف بزيارتكم العظيمه له
المحـكمون العرب يرحب بكم حسام الدين منير محام ومحكم ووكيل براءات اختراع عضو اتحاد المحامين العر

موقع قانوني يهتم بكل فئات وفروع القانون وبالاخص الفروع المستحدثه من القوانين مثل التحكيم والملكيه الفكريه


    ابداع اللغوي للمحاماه

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 168
    نقاط : 464
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 18/06/2009
    العمر : 42

    ابداع اللغوي للمحاماه

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 23 فبراير 2013, 10:14 am

    رسالة المحاماة‏:‏ إبداع لغوي وفكري‏
    تشترك المرافعة الشفوية مع المكتوبة‏,‏ في أنهما تسعيان الي هدف واحد‏,‏ وترميان الي غاية واحدة‏,‏ كما تشتركان في أن الإقناع هو حجتهما ووسيلتهما‏..‏ إلا أن الأسلوب فيهما قد يفترق وقد يختلف أشد الاختلاف‏..‏ سواء في المادة‏,‏ او في الصياغة‏,‏ او في الجرس‏..‏ فاحتياج المرافعة الشفوية والمكتوبة الي خطاب العقل والوجدان‏,‏ لا يعني ان الجريمة هنا كالجريمة هناك‏,‏ ولا يعني ان الاسلوب هنا كالأسلوب هناك‏..‏ المرافعة الشفوية أساسها الإلقاء والارتجال‏,‏ وهو فن يكمله الحضور النابع من مقومات الشخصية ومواهبها وقدراتها‏,‏ والمتوقف علي امتلاكها ناصية التواصل مع المتلقين‏,‏ وفنها في قياس مقدار المعمار وجرس الأذن الذي يحرك الوجدان موصولا في ذات الوقت بخطاب وحجة وبرهان العقل‏..‏ هذا المزيج يطرح حال الارتجال والإلقاء شكلا من اشكال الأداء المسرحي الجاد‏,‏ فيه يقوم المحامي بدور مؤلف النص وبدور المخرج والمؤدي أساسا‏..‏ وربما أتاح له هذا الجمع بين الأدوار الثلاثة أن يوفق بينها من واقع ما يستمده من طبيعته‏,‏ وقدراته وما فطر عليه‏..‏ قد روينا فيما سلف كيف كان امام المعتزلة قادرا علي أن يتكلم بالساعات متفاديا الحرف الذي يظهر لثفته‏,‏ وهذه المقدرة المستمدة من علمه الواسع باللغة وحضور بديهته وسرعة خاطره‏,‏ والتي بها يصوغ العبارات‏(‏ كشأن مؤلف النص‏),‏ هي التي كانت تمكنه من ان يحسن الأداء بتفادي ما يهزه أو يعكره او يفسد الجرس علي آذان المستمعين‏..‏ كذلك المحامي‏,‏ فلا كمال لأحد‏,‏ وكلنا محصلة إيجابياته وسلبياته‏,‏ ما يحسنه وما لا يحسنه‏,‏ واجتماع الصياغة و الأداء له‏,‏ يمكنه من ان يختار في المعالجة وفي السبك والصياغة ما يتفق مع قدراته في الأداء وما يحسنه منه‏..‏ يجري ذلك كله‏,‏ ويجب أن يجري‏,‏ من خلال سيناريو يحسن اختيار المقدمة مع براعة الاستهلال‏,‏ ويتقن سبل الاستنباط والاستخلاص مع براعة الاستدلال وقوة البيان ومنطق واستقامة البرهان‏,‏ ليخلص ذلك كله في ايقاع محسوب الي الخاتمه التي لها هي الأخرى موازين في المرافعة الشفوية التي تشكل قوام الدفاع في القضايا الجنائية خاصة‏.‏
    والمرافعة المكتوبة‏,‏ او ما اصطلح علي تسميته بالمذكرات‏,‏ تتفق مع الشفوية فيما أسلفناه‏,‏ ولكنها تختلف في غير ذلك‏,‏ فتستخدم ما قد يعز استخدامه في الارتجال‏,‏ وتسقط ايضا مالا لزوم لاستعماله فيما تقرأه وتتابعه العيون‏,‏ فجرعة العاطفة اقل بالضرورة والطبيعة في المذكرات عنها في المرافعات‏,‏ ومعمار وجرس الصياغة يختلف فيها وهي تخاطب جرس العين عن المرافعات التي هي كلام منطوق لا غناء فيه عن جرس الأذن‏..‏ علي ان المذكرات تتميز بأنها تأمن مخاطر ومنزلقات الارتجال‏,‏ وتفسح الفرصة للكاتب بأكثر مما يتاح للمرتجل‏,‏ فهو الي نفسه ومراجعه وأوراقه جالس‏,‏ ثم هو يختار للكتابة أنسب الأوقات لصفاء ذهنه وخلو باله وامتلاك قدرته علي إحسان التفكير وصياغة ما يريد في مهل وأناه‏,‏ وفي تمعن وتدبر وتأمل‏..‏ في متناوله الوقت‏,‏ وفي متناوله مع الوقت ان يعود الي ما يشاء من الكتب والمراجع والمؤلفات مهما تعددت‏,‏ وفي ان يعمل فيها النظر والترجيح والانتقاء‏,‏ وان يأخذ عنها ومنها ـ في أمان ـ ما يريد ان يحتج او يقوي حجته به‏..‏ لا ينشغل وهو يسبك عبارته بما يطبق من ظروف علي المرتجل‏,‏ فيعمل الاختيار والتبديل والتوفيق بين الالفاظ والعبارات‏,‏ ولا يضيره ان يلجأ الي الجمل الاعتراضية‏,‏ فلا بأس عليها فيما تطالعه العيون المتاح لها ان تعاود قراءة ما فاتها تحصيله من العبارة‏,‏ لذلك كله كانت المذكرات مجالا لإبداع من نوع آخر‏,‏ تحتل المقدمة في القضايا المدنية والتجارية والمالية والادارية والدستورية والشرعية‏,‏ ويتاح لها في الاحتجاج والتأثير الممتد مالا يتاح للمرافعات الشفوية‏..‏ المرافعات الشفوية معرضة للبخر‏,‏ بل هو يرد عليها بالحتم والضرورة‏,‏ سواء فيما يتبخر اثناء التدوين الذي لا يمكن ان يلاحق سرعة الكلام والالقاء‏,‏ ام فيما يصيبها من انطمار في صفحة وجدان المتلقي الذي هو في النهاية بشر مشدود بشواغله العامة والشخصية‏,‏ وبتلاحقات القضايا والاعمال‏,‏
    وبتزاحم الصور التي يستقبلها كل يوم بل كل ساعة ولحظة‏,‏ دون ان تتاح له فرصة استرجاع ما استمع اليه بأمس او من زمن مر طال أم قصر وزحفت عليه المستجدات وتبخر ما قبل بددا لا سبيل الي استعادته او استعادة الاستماع اليه‏,‏ بينما المذكرة كالكتاب‏..‏ محفوظة يستطيع طالبها ان يعود اليها في أي وقت يشاء‏,‏ فتذكره بما تعرض للنسيان او البخر او الانطمار‏,‏ ومن اجل ذلك كان اسمها الاصطلاحي المشتق من الذاكرة والتذكر والتذكار‏!.‏
    فالمذكرات كما تمثل بحبوحة وسعة للكاتب‏,‏ تمثل تذكيرا متاحا علي الدوام للمخاطب‏..‏ ثم هي فرصة أوسع بغير مراء ـ من فرصة المرافعة ـ في الاجادة والاتقان وغلبة الفكر والتأمل والتدبر ودقة المعالجة وكمال البيان‏!.‏
    قد يندر بين المحامين من يتقن المرافعة والكتابة معا‏,‏ فلكل منهما عناصر وإمكانات يختلف امتلاكها من شخص إلي آخر‏..‏ علي ان هذه القدرة لم تحل دون ان تشهد محاريب القضاء والمحاماة‏,‏ محامين برعوا في المرافعة وبرعوا في الكتابة‏,‏ وبلغوا القمة في هذه وتلك‏..‏ قد ترجح البراعة هنا علي البراعة هناك‏,‏ فيكون الرجحان في المرافعة الشفوية أكثر من المذكرات المكتوبة رغم البراعة فيها ايضا والاقتدار‏,‏ والعكس‏,‏ علي اني لست انسي براعة الاستاذ الجليل محمد عبد الله محمد في المرافعة وفي الكتابة علي السواء‏,‏ ولست انسي ان امتلاكه الفكر والتعمق قد مزج مرافعاته الشفوية بما يعز علي غيره‏..‏ ولست انسي الاستاذ الجليل مصطفي مرعي الذي ترافع فأبدع‏,‏ وكتب فأجاد وأتقن‏,‏ ولست انسي مرافعات الاستاذ المبدع مكرم عبيد الذي تقرأ مرافعاته الشفوية فتحس بنبضها منطوقة كأنك استمعت اليها من لسانه‏,‏ وتجترها كأنك مع سبك صيغ بمهل واتقان فتبلغ الغاية وقمة المراد‏!.‏
    هؤلاء وأترابهم ـ كانوا قاطرة المحاماة‏,‏ وسدنة العدالة والفكر والقانون‏,‏ الاقتداء بهم وبعلمهم ومثلهم واجب ليتقدم الحاضر الي الماضي الذي كان‏!.‏


    _________________
    حسام الدين منير
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 168
    نقاط : 464
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 18/06/2009
    العمر : 42

    تابع

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 23 فبراير 2013, 10:16 am

    رسالة المحاماة‏:‏ إبداع لغوي وفكري‏
    تشترك المرافعة الشفوية مع المكتوبة‏,‏ في أنهما تسعيان الي هدف واحد‏,‏ وترميان الي غاية واحدة‏,‏ كما تشتركان في أن الإقناع هو حجتهما ووسيلتهما‏..‏ إلا أن الأسلوب فيهما قد يفترق وقد يختلف أشد الاختلاف‏..‏ سواء في المادة‏,‏ او في الصياغة‏,‏ او في الجرس‏..‏ فاحتياج المرافعة الشفوية والمكتوبة الي خطاب العقل والوجدان‏,‏ لا يعني ان الجريمة هنا كالجريمة هناك‏,‏ ولا يعني ان الاسلوب هنا كالأسلوب هناك‏..‏ المرافعة الشفوية أساسها الإلقاء والارتجال‏,‏ وهو فن يكمله الحضور النابع من مقومات الشخصية ومواهبها وقدراتها‏,‏ والمتوقف علي امتلاكها ناصية التواصل مع المتلقين‏,‏ وفنها في قياس مقدار المعمار وجرس الأذن الذي يحرك الوجدان موصولا في ذات الوقت بخطاب وحجة وبرهان العقل‏..‏
    هذا المزيج يطرح حال الارتجال والإلقاء شكلا من اشكال الأداء المسرحي الجاد‏,‏ فيه يقوم المحامي بدور مؤلف النص وبدور المخرج والمؤدي أساسا‏..‏ وربما أتاح له هذا الجمع بين الأدوار الثلاثة أن يوفق بينها من واقع ما يستمده من طبيعته‏,‏ وقدراته وما فطر عليه‏..‏ قد روينا فيما سلف كيف كان امام المعتزلة قادرا علي أن يتكلم بالساعات متفاديا الحرف الذي يظهر لثفته‏,‏ وهذه المقدرة المستمدة من علمه الواسع باللغة وحضور بديهته وسرعة خاطره‏,‏ والتي بها يصوغ العبارات‏(‏ كشأن مؤلف النص‏),‏ هي التي كانت تمكنه من ان يحسن الأداء بتفادي ما يهزه أو يعكره او يفسد الجرس علي آذان المستمعين‏..‏ كذلك المحامي‏,‏ فلا كمال لأحد‏,‏ وكلنا محصلة إيجابياته وسلبياته‏,‏ ما يحسنه وما لا يحسنه‏,‏ واجتماع الصياغة و الأداء له‏,‏ يمكنه من ان يختار في المعالجة وفي السبك والصياغة ما يتفق مع قدراته في الأداء وما يحسنه منه‏..‏ يجري ذلك كله‏,‏
    ويجب أن يجري‏,‏ من خلال سيناريو يحسن اختيار المقدمة مع براعة الاستهلال‏,‏ ويتقن سبل الاستنباط والاستخلاص مع براعة الاستدلال وقوة البيان ومنطق واستقامة البرهان‏,‏ ليخلص ذلك كله في ايقاع محسوب الي الخاتمه التي لها هي الاخري موازين في المرافعة الشفوية التي تشكل قوام الدفاع في القضايا الجنائية خاصة‏.‏
    والمرافعة المكتوبة‏,‏ او ما اصطلح علي تسميته بالمذكرات‏,‏ تتفق مع الشفوية فيما أسلفناه‏,‏ ولكنها تختلف في غير ذلك‏,‏ فتستخدم ما قد يعز استخدامه في الارتجال‏,‏ وتسقط ايضا مالا لزوم لاستعماله فيما تقرأه وتتابعه العيون‏,‏ فجرعة العاطفة اقل بالضرورة والطبيعة في المذكرات عنها في المرافعات‏,‏ ومعمار وجرس الصياغة يختلف فيها وهي تخاطب جرس العين عن المرافعات التي هي كلام منطوق لا غناء فيه عن جرس الأذن‏..‏ علي ان المذكرات تتميز بأنها تأمن مخاطر ومنزلقات الارتجال‏,‏ وتفسح الفرصة للكاتب بأكثر مما يتاح للمرتجل‏,‏ فهو الي نفسه ومراجعه وأوراقه جالس‏,‏ ثم هو يختار للكتابة أنسب الأوقات لصفاء ذهنه وخلو باله وامتلاك قدرته علي إحسان التفكير وصياغة ما يريد في مهل وأناه‏,‏ وفي تمعن وتدبر وتأمل‏..‏ في متناوله الوقت‏,‏ وفي متناوله مع الوقت ان يعود الي ما يشاء من الكتب والمراجع والمؤلفات مهما تعددت‏,‏ وفي ان يعمل فيها النظر والترجيح والانتقاء‏,‏ وان يأخذ عنها ومنها ـ في أمان ـ ما يريد ان يحتج او يقوي حجته به‏..‏ لا ينشغل وهو يسبك عبارته بما يطبق من ظروف علي المرتجل‏,‏ فيعمل الاختيار والتبديل والتوفيق بين الالفاظ والعبارات‏,‏ ولا يضيره ان يلجأ الي الجمل الاعتراضية‏,‏ فلا بأس عليها فيما تطالعه العيون المتاح لها ان تعاود قراءة ما فاتها تحصيله من العبارة‏,‏ لذلك كله كانت المذكرات مجالا لإبداع من نوع آخر‏,‏ تحتل المقدمة في القضايا المدنية والتجارية والمالية والادارية والدستورية والشرعية‏,‏ ويتاح لها في الاحتجاج والتأثير الممتد مالا يتاح للمرافعات الشفوية‏..‏ المرافعات الشفوية معرضة للبخر‏,‏ بل هو يرد عليها بالحتم والضرورة‏,‏ سواء فيما يتبخر اثناء التدوين الذي لا يمكن ان يلاحق سرعة الكلام والالقاء‏,‏ ام فيما يصيبها من انطمار في صفحة وجدان المتلقي الذي هو في النهاية بشر مشدود بشواغله العامة والشخصية‏,‏ وبتلاحقات القضايا والاعمال‏,‏ وبتزاحم الصور التي يستقبلها كل يوم بل كل ساعة ولحظة‏,‏ دون ان تتاح له فرصة استرجاع ما استمع اليه بأمس او من زمن مر طال أم قصر وزحفت عليه المستجدات وتبخر ما قبل بددا لا سبيل الي استعادته او استعادة الاستماع اليه‏,‏ بينما المذكرة كالكتاب‏..‏ محفوظة يستطيع طالبها ان يعود اليها في أي وقت يشاء‏,‏ فتذكره بما تعرض للنسيان او البخر او الانطمار‏,‏ ومن اجل ذلك كان اسمها الاصطلاحي المشتق من الذاكرة والتذكر والتذكار‏!.‏ فالمذكرات كما تمثل بحبوحة وسعة للكاتب‏,‏ تمثل تذكيرا متاحا علي الدوام للمخاطب‏..‏ ثم هي فرصة أوسع بغير مراء ـ من فرصة المرافعة ـ في الاجادة والاتقان وغلبة الفكر والتأمل والتدبر ودقة المعالجة وكمال البيان‏!.‏ قد يندر بين المحامين من يتقن المرافعة والكتابة معا‏,‏ فلكل منهما عناصر وإمكانات يختلف امتلاكها من شخص إلي آخر‏..‏ علي ان هذه القدرة لم تحل دون ان تشهد محاريب القضاء والمحاماة‏,‏ محامين برعوا في المرافعة وبرعوا في الكتابة‏,‏ وبلغوا القمة في هذه وتلك‏..‏ قد ترجح البراعة هنا علي البراعة هناك‏,‏ فيكون الرجحان في المرافعة الشفوية أكثر من المذكرات المكتوبة رغم البراعة فيها ايضا والاقتدار‏,‏ والعكس‏,‏ علي اني لست انسي براعة الاستاذ الجليل محمد عبد الله محمد في المرافعة وفي الكتابة علي السواء‏,‏ ولست انسي ان امتلاكه الفكر والتعمق قد مزج مرافعاته الشفوية بما يعز علي غيره‏..‏ ولست انسي الاستاذ الجليل مصطفي مرعي الذي ترافع فأبدع‏,‏ وكتب فأجاد وأتقن‏,‏ ولست انسي مرافعات الاستاذ المبدع مكرم عبيد الذي تقرأ مرافعاته الشفوية فتحس بنبضها منطوقة كأنك استمعت اليها من لسانه‏,‏ وتجترها كأنك مع سبك صيغ بمهل واتقان فتبلغ الغاية وقمة المراد‏!.‏
    هؤلاء وأترابهم ـ كانوا قاطرة المحاماة‏,‏ وسدنة العدالة والفكر والقانون‏,‏ الاقتداء بهم وبعلمهم ومثلهم واجب ليتقدم الحاضر الي الماضي الذي كان‏!.‏
    رسالة المحاماة‏:‏ أمانة وحرية الكلمة‏!
    كمال النضج أن يتسع أفق الآدمي ليري كل موضوع من شتي نواحيه‏..‏ ألا ينغلق علي نظر فيسقط او يتجاهل او يشيح عن آخر أو لا يراه‏!!‏ وظني ان أمانة الكلمة والحرية الواجبة لها والحق من ثم في إبدائها‏,‏ من القضايا التي تتماس مع حقوق اخري او اخرين جديرة هي الأخرى بالنظر والرعاية‏..‏ فحق القول وحريته قد يصطدم بشرف وعرض واعتبار اخرين‏,‏ وحق القائل في ابداء ما يريد قد يدمر آخرين‏,‏ وربما يجمح القول فيجافي الحق والصواب فيأتي التدمير اجحافا بحقوق أخري يضطرب أمر المجتمع اذا عجز عن صيانتها بايجاد توازن فاهم واع ومتفطن إلي ان كل حق قد تقابله حقوق أخري‏,‏ وان كل حرية قد تمس حريات آخرين‏,‏ فحق الاستماع إلي ما يشاء المرء‏,‏ يصطدم بحق الجار في ألا يقطع عليه جموح الصوت سكينته او يشوش علي هدوئه أو علي ما عساه يختاره للاستماع إليه في حدود مقره وحق صاحب البناء في تعلية حدوده او تجنيحها إلي اخر المدي الذي يتيح له ما يريد من التوسعة علي نفسه‏,‏ يصطدم بحق جاره الموازي لهذا الحق فالحدود المشتركة المتماسة حدود للطرفين‏,‏ وحق كل طرف علي الآخر ألا يسرف او يتعسف في استعمال حقه فيجور علي جاره‏!‏
    وحق النظر والمشاهدة والاستمتاع بالتوسع أو الاختراق بهما‏,‏ يقابله حق الآخر في ان تصان له خصوصيته من الفضول وحب الاستطلاع او التلصص او الاستراق او التصنت أو التجسس‏!!‏ وحق الفرد في اعتناق العقيدة التي يؤمن بها‏,‏ يقابله حق مواز لكل آخر في ان يعتنق العقيدة التي أنس اليها واعتقد انها الصواب‏!‏ وحق ممارس الالعاب الرياضية في اباحة ما تقتضيه الممارسة يقابله حق اللاعب الآخر في وجوب الالتزام بحدودها وإلا غادرت الاباحة إلي التأثيم‏!‏ وقوامة رب الاسرة علي أسرته‏,‏ يقابلها حق أفرادها في حدود لممارسة هذه القوامة حتي لا تشتط فتؤذي وتضر‏!‏ وحق المحامي والخصم بعامة في أن يدلي من الحجج في ساحة الخصومة القضائية بما يكفل اظهار حقه يقابله وجوب التزام مستلزمات ومقتضيات الدفاع‏!‏ وحق الطبيب والجراح في الاباحة الطبية‏,‏ يقابله حق المريض في التزام الطبيب بالأمانة وبالأصول والقواعد الطبية‏!‏
    الحق المطلق لا وجود له‏,‏ والحرية المطلقة قد تعدم حقوق وحريات الآخرين‏!‏ إلي ذلك التفتت كل دساتير العالم المتحضر‏!‏ فتبنت منظومة متكاملة للحقوق تراعي إقرارها وحمايتها من ناحية‏,‏ وتراعي محاذير التصادم او التعارض او التزاحم او التباري او التقابل وتمايز واختلاف اعتبارات ومبررات وتوجهات كل حق بحيث لا يجور علي الحقوق الأخرى التي رآها الدستور‏,‏ ورآها المجتمع قبل الدستور‏,‏ جديرة بالحماية الدستورية‏,‏ مما ألزم ويلزم بالالتفات إلي ان كل حق يقابله واجب الالتزام باحترام حقوق الآخرين‏!‏
    الدستور المصري يحمي العديد من الحقوق المتقابلة‏..‏ يحمي حق الدفاع بالأصالة وبالوكالة‏,‏ ويحمي حق اللجوء إلي القضاء‏,‏ ويحمي حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والطباعة والنشر والاعلام‏,‏ ويحمي حرية البحث العلمي والابداع الفني والادبي والثقافي‏,‏ ويحمي استقلال ودور السلطة القضائية ويحصن أعضاءها من العزل‏.‏ إلخ‏,‏ بيد ان الدستور في المقابل قرر وشمل بالحماية الحريات التي يمكن ان تمسها ممارسة هذه الحقوق‏..‏ حمي المقبوض عليه ووضع ضوابط معاملته في المادة‏42/‏ وقرر بالمادة‏43‏ عدم جواز اجراء تجربة طبية او علمية علي انسان بغير رضائه الحر‏,‏ وحمي في المادة‏/45‏ الحياة الخاصة للمواطنين ومراسلاتهم ومحادثاتهم‏..‏ إلخ وحمي في المادة‏/44‏ حرمة المساكن‏,‏ وكفل في المادة‏/46‏ حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية‏,‏ ووصل في المادة‏/57‏ إلي حدم تقرير عدم تقادم كل اعتداء يقع علي الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة التي يكفلها الدستور والقانون وجعل الدولة كافلة التعويض العادل لمن وقع عليه الاعتداء‏!‏
    التفات الفرد‏,‏ والتفات المجتمع‏,‏ إلي هذا التقابل بين الحقوق والحريات‏,‏ هو علامة نضج وفهم‏,‏ والاشاحة او الاعراض عنه او عدم النظر إليه او العجز عن رؤيته‏,‏ آية مراهقة وضيق نظر وانكفاء وسطحية قد تصل إلي العمي الضرير‏!‏
    من العوامل التي تعين المحامي ـ اذا أراد ـ علي الرؤية الشاملة ان مواقفه في القضايا والخصومات بعامة‏,‏ مواقف متعددة متغيرة متنوعة‏,‏ يقف اليوم إلي جوار صاحب رأي او نقد او طعن أبداه وله فيه حجة قوية او متوسطة او ضعيفة‏,‏ او إلي جوار متهم بسب او قذف او اساءة وخدش للاعتبار للمتهم به ذريعة من اباحة او حسن نية او دفاع علي تعد عليه لا يقره القانون‏,‏ بيد ان المحامي قد يقف غدا إلي جانب مجني عليه في طعن او قذف او سب او خدش للشرف او العرض او الاعتبار‏..‏ هذه المواقف المتباينة التي تسلس اليها الحياة تستدعي ـ ويجب ان تستدعي ـ كل معارف وعلم وملكات المحامي لتشكل رؤيته ولتبدو حجته هنا وهناك ـ مقنعة محققة لمرادها‏,‏ وهي لن تكون مقنعة إلا اذا صدرت عن رؤية متكاملة تري الامور باتساعها وبجوانبها المتقابلة‏..‏ فليس يجدي في الاحتجاج‏,‏ ناهيك بالاقناع ان ترصف العبارات انتصارا ضريرا لحق القول والقائل ـ إذا كان واضحا من الظروف ان القائل قد أسرف واشتط ناهيك بان يكون قد حرف او كذب او تجني‏,‏ وليس يجدي المجني عليه التذرع بخصوصية وحرمة حياته اذا كان الطعن او القذف قد انصرف إلي أعمال باشرها المقذوف من واقع نهوضه او تكليفه بأعباء وظيفة عامة أو خدمة عامة‏..‏ قد يجدي دفاعه اثبات عدم ملاءمة العبارات او تركها الاعمال إلي الطعن الشخصي او الايذاء الشخصي دون الغاية العامة‏,‏ ولكن لن يجديه ان يتجاهل حق نقد الأعمال العامة‏,‏ او ان يشيح عن الحقوق المتقابلة وما تفرضه من قواعد وضوابط يجب علي اللبيب ان يلتفت وان يتفطن اليها‏!‏
    رسالة المحاماة تقتضي من المحامي ان يري ذلك كله بعين النضج والفهم والوعي والعقل والانصاف‏..‏ ذلك ما تركه لنا المحامي الفذ والعلامة الجليل محمد عبدالله محمد في درته الخالدة في جرائم النشر‏:‏ حرية الفكر والأصول العامة‏.‏


    _________________
    حسام الدين منير

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 26 سبتمبر 2017, 11:38 pm