المحـكمون العرب يرحب بكم حسام الدين منير محام ومحكم ووكيل براءات اختراع عضو اتحاد المحامين العر

اهلا وسهلا بكم في موقعنا المتواضع الذي يشرف بزيارتكم العظيمه له
المحـكمون العرب يرحب بكم حسام الدين منير محام ومحكم ووكيل براءات اختراع عضو اتحاد المحامين العر

موقع قانوني يهتم بكل فئات وفروع القانون وبالاخص الفروع المستحدثه من القوانين مثل التحكيم والملكيه الفكريه


    المحاماه والحركه الوطنيه

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 168
    نقاط : 464
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 18/06/2009
    العمر : 42

    المحاماه والحركه الوطنيه

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 23 فبراير 2013, 10:11 am

    رسالة المحاماة‏:‏ والحركة الوطنية‏
    في خطابه‏12‏ يوليه‏1891,‏ فور حصوله علي شهادة الدراسة الثانوية من المدرسة التجهيزية‏(‏ الخديوية‏)‏ كتب الفتي مصطفي كامل‏,‏ الي شقيقه علي‏(‏ بك‏)‏ فهمي كامل الضابط آنذاك بالسودان يقول‏:‏ أؤمل أن تعود الي القوي لأدخل مدرسة الحقوق الخديوية‏,‏ فقد عزمت علي الانضمام إلي صفوف طلابها لانها مدرسة الكتابة والخطابة ومعرفة حقوق الافراد والأمم‏.‏ وأنت تعلم أني اميل إليها كثيرا‏,‏ وعزمت كذلك علي تأسيس جمعية اسميها جمعية إحياء الوطن‏.‏ لم تكن الفكرة التي نبتت في صفحة وجدان الفتي الغض مصطفي كامل‏,‏ نبت خيال‏,‏ وإنما ترجمة عن واقع دلت عليه سوابق التاريخ‏..‏ لم يكن صدفة‏,‏ ولا من ضربات الحظ ومصادفات المقادير‏,‏ ان يلي رئاسة الولايات المتحدة خمسة وعشرون من المحامين أو الحقوقيين من جملة رؤسائها البالغين‏39‏ رئيسا‏,‏ ولا أن يلي اربعة عشر منهم رئاسة الجمهورية الفرنسية‏..‏ لم يكن بزوغ المحاماة في الحركات الوطنية للأمم والشعوب إلا ترجمة عن قدرات تتيحها دراسة الحقوق التي قرر مصطفي كامل من البداية الانخراط فيها ليكون باعثا للحركة الوطنية في مصر التي عشقها حتي النخاع‏,‏ والتي تنميها وتصقلها ممارسة المحاماة لذلك لم يكن غريبا هذا الحضور البارز للمحاماة ودارسي الحقوق بعامة في الممارسات البرلمانية وفي الحركات الوطنية‏..‏ كان حضور المحاماة والمحامين حضورا لافتا في الثورة الفرنسية‏(14‏ يوليو‏1789),‏ فكان من زعماء الثورة الكبار روبسبير المحامي‏,‏ والمحامي الشهير‏:‏ جان جوزيف مونيير نائب جرينوبل الذي اقترح علي الجمعية الوطنية قسمها الشهير‏,‏ ودانتون الذي بدأ مستشارا ملكيا يترافع في فرساي عن حقوق النبلاء قبل ان يشتري مكتبا للمحاماة ثم ينتقل الي باريس ليخوض الثورة الفرنسية بمنطقه القوي الذي لايباري‏..‏ ولم ينكث المحامون عن أداء رسالتهم المقدسة إلي جوار من مالت عليهم الثورة‏,‏ فتطوع لاموانيون دوما ليزيرب ـ العظيم للدفاع عن الملك لويس السادس عشر والي جواره المحامي ريمون دي سيز الذي لم يتوان أن يقول في ساحة المحكمة إنه يبحث عن قضاة فلا يجد إلا خصوما‏..‏ ثم يودع المحكمة في ختام مرافعته قائلا‏:‏ إنني أشهد التاريخ عليكم‏..‏ فاذكروا أنه سيحكم علي قضائكم‏,‏ ولسوف يكون حكمه حكم قرون‏..‏ يصافح المتأمل في الحركة الوطنية المصرية حضور طاغ للمحاماة والمحامين‏,‏ ويري ان لواء قيادة الحركة الوطنية الحديثة قد انعقد لهم طوال قرنين من الزمان‏:‏ مصطفي كامل باعث الحركة الوطنية الحديثة‏,‏ وسعد زغلول زعيم الوفد والوزير ورئيس الوزراء ومجلس النواب‏,‏ ومحمد فريد خليفة مصطفي كامل ورئيس الحزب الوطني القديم من بعده‏,‏ ومصطفي النحاس رئيس الوفد والوزير ورئيس الوزراء لعدة مرات‏,‏ وعبدالعزيز فهمي قطب الوفد وثورة‏1919‏ ثم رئيس حزب الاحرار الدستوريين‏,‏ واحمد لطفي السيد استاذ الجيل‏,‏ المحامي والوزير ورئيس مجمع اللغة العربية‏,‏ ورؤساء الوزراء‏:‏ يحيي ابراهيم‏,‏ وحسين رشدي‏,‏ ومحمد سعيد‏,‏ ومحمد محمود‏,‏ ومحمد توفيق نسيم‏,‏ وإسماعيل صدقي‏,‏ وعبدالخالق ثروث‏,‏ واحمد ماهر‏,‏ وعلي ماهر‏,‏ وابراهيم عبدالهادي‏,‏ ونجيب الهلالي‏,‏ وحديثا الدكتور محمود فوزي والدكتور عاطف صدقي‏..‏ ملأ المحامون ورجال القانون بعامة رئاسة مجلس النواب والشيوخ‏,‏ وتبوأوا معظم مناصب الوزراء علي مدي قرابة قرنين‏,‏ وقامت علي أكتافهم جوانب الحركة الوطنية في الفكر والادب والصحافة والتعليم والاصلاح‏.‏ لإيمان مصطفي كامل بالقضية التي دخل مدرسة الحقوق من أجلها‏,‏ التهم سنوات الدراسة التهاما‏,‏ وجمع في وقت واحد بين دراسة الحقوق العربية والحقوق الفرنسية‏,‏ واستطاع ان يجتاز سنتين دراسيتين في عام واحد‏..‏ ولما استحال اداء الامتحان النهائي في كلية باريس التي لم يكن نظامها يقر اداء امتحانين في سنة واحدة‏,‏
    لجا الي كلية حقوق تولوز حيث اتم الدراسة ودخل امتحانها‏,‏ ونال اجازتي الحقوق العربية والفرنسية في نوفمبر‏1894‏ وهو لم يزل في العشرين من عمره‏,‏ وكأنه في سباق مع الزمن وهو يري روح الخذلان قد تسربت الي الناس عقب اخفاق الثورة العرابية‏ (1882/81)‏ وما صاحب إخفاقها من صفحات سوداء مخزية وشيوع اليأس وانقطاع الأمل‏,‏ وطغيان القوات والسياسة الانجليزية‏,‏ وسلبية الدول الاوروبية إزاء التغول البريطاني في بلاده التي تركها كبار العالم لبريطانيا في القسمة الضيزي التي اقتسموا بها بلدان الارض‏,‏ وخضوع الحكومة السنية للقنصل البريطاني العام‏,‏ وتعقيم الجيش المصري وجعل قياداته الي الانجليز‏,‏ وإذعان الخديوي توفيق ورجالات مصر للسيطرة البريطانية واللورد كرومر‏..‏ مثل هذه التراجعات أصابت الروح الوطنية في الصميم‏,‏ وجعلت من بعث الروح الوطنية مقدمة المقدمات للخروج من وهدة الخذلان والسلبية الي عزيمة العقل والعمل‏..‏ توري حركة مصطفي كامل وهو لم يزل بعد في هذه السن الغضة أنه كان مدركا لميدان ولوازم المعركة التي جعل يعد نفسه لادائها علي محورين بالغي الأهمية‏:‏ بعث الروح الوطنية‏,‏ ومخاطبة الضمير العالمي للفت الانظار الي مصر وما يجري فيها‏.‏ شطر الحقوق ودراستها اتجه مصطفي كامل وفي ضميره ان المحاماة هي في المقام الأول عن حقوق الامم‏..‏ بذلك كتب سنة‏1891‏ إلي أخيه علي فهمي كامل‏..‏ حتي إذا ما استوت له إجازتا الحقوق العربية والفرنسية‏,‏ يمم فورا شطر المحاماة التي جعلها سبيله الي غايته الكبري‏:‏ قضية مصر وحقوق مصر‏..‏ ما إن عاد إلي مصر في ديسمبر‏1894‏ ـ حتي قيد اسمه في جدول المحامين‏,‏ وجاء في المؤيد عدد‏1894/12/31:‏ قررت لجنة انتخاب المحامين قبول حضره الفاضل الاديب مصطفي افندي كامل صاحب جريدة‏(‏ المدرسة‏)‏ الحائز للشهادة النهائية في الحقوق محاميا امام المحاكم الابتدائية وهو من نخبة الشبان الاذكياء النجباء ويقول الرافعي في كتابه عنه‏(‏ ص‏55/54‏ إن رسالة مصطفي كامل الوطنية شغلته عن قضايا الافراد‏,‏ إذ انصرفت جهوده للمحاماة عن القضية الوطنية‏..‏ علي ان اللافت ان المساحة الهائلة التي قطعها مصطفي كامل المحامي في خدمة القضية الوطنية‏,‏ قد قطعها بغير منصب ولا سلطة‏,‏ وانه مضي لرسالته مضي المحامي الذي يملك الحجة ويملك الكلمة فنجح في بعث روح جديدة فجر بها طاقات ما كان لقوة أن تطفئها أو تحاصرها‏.
    أميز ما في سيرة مصطفي كامل‏,‏ وفي عطائه الغزير الذي بث به بعثا جديدا أخرج الحركة الوطنية من وحدة اليأس والانسحاق‏,‏ الي زخم فائر أخذ يتزايد حتي حرك الماء الآسن‏,‏ وألهب مشاعر الشعب الذي صار مصطفي كامل أغنيته الشادية‏,‏ وأقض مضاجع الاستعمار الإنجليزي حتي بات الزعيم الشاب همه الأكبر‏..‏ أميز ما في هذا الإنجاز أن مصطفي حقق هذا كله بغير منصب يطل منه أو يتترس به‏,‏ وبغير سلاح يتمنطق به‏,‏ بل وبغير حزب يسانده‏,‏ أو إعلام يروج له‏..‏ فلم يؤسس مصطفي كامل جريدة اللواء إلا في مطلع عام‏1900‏ بعد أن قطع بالحركة الوطنية أشواطا بعيدة المدي والتأثير بغير إعلام مخصوص يسانده‏,‏ وإنما اعتمد علي ما يستطيع أن يصدره بخطبه وندواته وكتاباته ومراسلاته وعلاقاته التي طرق بها كل باب الي من تلقفوه في الداخل والخارج ليصدر روحه ونشاطه اللاهب الموقظ الي الناس‏!!‏ أما الحزب الوطني القديم‏,‏ فكان تاليا لتأسيس وإصدار اللواء‏,‏ ولم يبدأ الحزب في استكمال شكله ومقوماته إلا في أخريات عام‏1907‏ قبيل وفاة مصطفي كامل في‏10‏ فبراير‏1908‏ بأشهر معدودة‏..‏ هنا يحق بل واجب علي عشاق المحاماة المؤمنين برسالتها أن يتنبهوا وأن يفخروا وأن يتأسوا بمصطفي كامل الذي كانت رسالة المحاماة وفروسيتها ونبالتها هي مادته الأساسية ومنهجه الرئيسي وأسلوبه الماضي الذي حمل به رسالته فملأ العالم‏,‏ وأقض مضاجع الطغاة‏,‏ وألهب مشاعر الشعب‏,‏ وبث فيه روحا متوهجة وثابة غالب فغلب بها اليأس والإحباط والخذلان والانكسار والانسحاق‏,‏ وجدد في صفحات الوعي عشق مصر وترابها‏,‏ ورغبة التضحية والفناء من أجلها‏..‏ كان سعد زغلول كبيرا وأمينا حين قال في خطابه‏1923:‏ إن مصطفي كامل ـ الأصغر منه سنا بسبعة عشر عاما ــ هو السباق صاحب الفضل الغزير وباعث النهضة والحركة الوطنية عقب الحركة العربية وبالتوازي مع دور الأفغاني وتلاميذه‏..
    ‏ كانت المحاماة هي إذن كل عدة مصطفي كامل فيما أقام به الدنيا ولم يقعدها‏:‏ روحها‏,‏ رسالتها‏,‏ مادتها‏,‏ مواهبها‏,‏ بيانها‏,‏ حجتها‏,‏ فروسيتها ونبلها‏..‏ الفروسية والنبل روح المحاماة علي الدوام‏,‏ تتجلي في قضايا الأفراد كما تتجلي في القضايا الوطنية‏,‏ بيد أن نسب تجليها في القضايا الفردية متفاوتة‏,‏ تتفاوت من قضية لأخري‏,‏ ومن ظرف لآخر‏..‏ فتختلف نسبتها صعودا وهبوطا بالقياس الي اعتبارات عديدة تحكم الوكالات الفردية أو الجماعية المحدودة‏,‏ بيد أن القضايا الوطنية هي العنوان الهائل لفروسية ونبل المحاماة‏,‏ لأن الوكالة فيها معنوية‏,‏ لا يوجد فيها موكل يدفع قليلا أو كثيرا من الأتعاب التي قد يرتجيها أو يقبلها أو يتمناها أو يبالغ فيها البعض بعدا عن رسالة ومعني النجدة في المحاماة‏,‏ بينما وكالة القضية الوطنية لا موكل فيها إلا الوطن والشعب‏,‏ وكلاهما لا يدفع ولا ينبغي ولا يجوز أن يدفع للمحامي الوطني الذي يحمل همهما ويناضل من أجلهما‏..‏ ومن ناحية ثانية‏,‏ فإن القضية الوطنية هي الحق بعينه في جميع أحوالها‏,‏ لا يمكن أن يخالطها باطل‏,‏ أو تعتريها مغريات أو مثبطات‏,‏ فالولاء للوطن وبنية ولاء للحق‏,‏ والدفاع عنهما دفاع عن الحق‏,‏ هذا البذل والتضحية بغير مقابل ـ هو لبد وجوهر رسالة وفروسية ونبل المحاماة‏..‏ لا ينذر حياته للقضية الوطنية إلا فارس عابد نبيل‏,‏ تصغر في عينه الدنيا‏,‏ ويهون المال‏,‏ ولا تبقي في صفحة وجدانه سوي المثل والقيم والمباديء وعشق الوطن حتي النخاع‏..‏ التجرد في القضايا الوطنية‏,‏ حينما لا يصاحبه رغبة في منصب أو جاه أو سلطان ـ وكما فعل مصطفي كامل ـ هو آية آيات النبل والفروسية في المحاماة التي هي في جوهرها رسالة لا يقبل عليها ـ إقبالا حقيقيا واعيا ـ إلا أصحاب الرسالات‏!..‏ لم يكن غريبا علي الفارس النبيل أنه ترك القضايا الفردية وغاص بروحه ووجدانه ونبضه في القضايا الوطنية حتي النخاع‏,‏ لا يبالي ولا حتي يلتفت للمرض الذي أخذ ينهشه حتي قضي عليه وهو لم يزل بعد في الثلاثينيات من عمره‏..‏ وكيف يكترث لشيء غير قضيته وخصمه فيها قوة عظمي لها من السلاح وآلة الحرب وقدرة المؤامرة والإهلاك ما يعصف بالأفراد؟‏!..‏ حاولوا ضربه في أخيه علي فهمي كامل الذي أنزلوه في السودان من ضابط الي نفر في مؤامرة مخزية ظالمة‏,‏ وحاولوا تعطيله هو عن دوره في بعث الحركة الوطنية بتكبيله بالتجنيد‏,‏ وكادوا له في كل مكان‏,‏ ولكن المحاماة كانت عدته وقوته‏..‏ أليس بها يملك الحجة والبيان واللسان الناطق والقلم الذي به أقسم القرآن المجيد‏..‏ كل ذلك قد نذره لوطنه وقضية وطنه‏,‏ مصطفي كامل اكتملت المحاماة في أعلي علاها حين كانت مهجة وطريق المحامي مصطفي كامل الذي ارتفع بالمحاماة‏,‏ وحقق بها لقضية وطنه ما يمثل قدوة للأجيال علي مدار الزمان‏!
    أجل‏,‏ في المحامي مصطفي كامل إكتملت المحاماة في أوجها السامق‏,‏ لأنه فيها وبها ترك مطالب الدنيا وأساليب الإرتزاق بقضايا الأفراد‏,‏ المتابع لسيرة مصطفي كامل يقطع بلا أدني مبالغة أنه نزع نفسه من الدنيا ونذر حياته وكل امكانياته في دفاعه المجيد المتصل عن القضية الوطنية‏..‏ لم يستثمر الصلات ولا العوالم التي تفتحت له في دراسة الحقوق والحصول علي اجازتها من تولوز بعد باريس لإقامة جسور مصالح شخصية وإنما استثمر هذا كله في الدعاية لقضية بلده‏..‏ ألقي من المحاضرات والخطب‏,‏ وعقد من الندوات في مصر ومعظم بلدان العالم ما يعجز عنه عشرات الرجال‏..‏ لم يتحدث في أحاديثه التي ملأت اهم الصحف العالمية بكلمة واحدة عن نفسه‏,‏ وإنما جعل بيانه وعربيته وفرنسيته وحجته وبرهانه لصالح القضية الوطنية التي كرس نفسه للدفاع عنها بلا أجر‏,‏ ولا منصب‏,‏ ولا جاه‏,‏ ولا سلطان‏!!..‏ بلغ به التنسك للقضية أن ابتكر وطبع علي نفقته رسما رمزيا‏,‏ موحيا ومؤثرا‏,‏ لتحريض فرنسا علي الإنجليز‏,‏ جعله في شكل صورة رمزية لمصر ترسف في أغلال الاحتلال الانجليزي وتستصرخ فرنسا لمعاونتها علي إجلاء المستعمر‏,‏ ولم يكتف بتقديم هذا الرسم المؤثر إلي مجلس النواب الفرنسي‏,‏ فطبع منه آلاف النسخ علي نفقته وجعل يصدره الي الدنيا ليؤلب الرأي العام علي الانجليز‏..‏ لم يكتف بتعرية وضرب انجلترا لدي منافستها التقليدية فرنسا‏,‏ أو في النمسا وألمانيا والمجر‏,‏ وإنما اقتحم علي الانجليز عقر دارهم حاملا حجته بكلمته وبيانه‏..‏ تحكي مكاتباته إلي ومن جلادستون شيخ الأحرار في إنجلترا‏,‏ كيف استطاع هذا المحامي الشاب الهائم في حب مصر أن يقض مضاجع الإنجليز في عقر دارهم‏..‏ وكيف بعث في مصر حركة وطنية هائلة ظلت تتصاعد بمصر بمد ما بذره ونماه‏,‏ حتي دكت معاقل الاستعمار‏,‏ وعرفت به الأمة المصرية طريقها الي النهوض والخلاص وإجلاء المستعمر عبر رحلة طويلة بدأها وحرك ماءها هذا المحامي الوطني الغيور العاشق لوطنه حتي النخاع‏..‏ لم يصرف انشغال المحامي مصطفي كامل بإيقاظ الوعي وبعث الروح الوطنية‏,‏ وتعرية الاحتلال بالخارج ـ لم يصرفه عن تكريس نشاطه للإسهام في مشروع لنهضة البلاد في التعليم والثقافة والصناعة وفي الحياة الدستورية‏..‏ أليس هو القائل في شعار مجلته المدرسية أحب مدرستك حبك أهلك ووطنك؟‏!‏ ما إن بدأ دعوته الوطنية حتي كرس اهتمامه للدعوة لنشر التعليم سبيل الوطن الي المعرفة وبث الروح الوطنية‏..‏ لبي دعوته المرحوم حسين بك القرشوللي وأسس علي نفقته مدرسة بالحلمية‏,‏ واجتمع بعض الشباب مع بعض السراة فأسسوا مدرسة بسراي العزبي بباب الشعرية وأطلقوا عليها مدرسة مصطفي كامل الذي تولاها وحمل كافة اعبائها‏,‏ وأصدر سنة‏1898‏ كتابا في المسألة الشرقية وشرح فيه المسألة المصرية‏,‏ وأخذ يدعو الي نشر التعليم والكتابة باللغة العربية وتقديمها في التعليم علي ما عداها ـ وطفق يشجع الأعيان علي إنشاء المدارس ويحتفي بافتتاحها كما فعل في افتتاح مدرسة الشوربجي ببريم في ابريل‏1901,‏ ولم يقطع صلته بمدرسة الحقوق‏,‏ فكان حاضرا في شتي شئونها مشجعا علي تخلصها من تأثير المستر دنلوب الانجليزي الذي كان يلاحق التعليم ومؤسساته بنفوذه وأغراضه‏,‏ وترجم في جريدة اللواء ـ كشف المخططه ـ المقال الذي نشره الأستاذ لامبير في جريدة‏(‏ ألطان‏)‏ الباريسية إثر اضطراره للإستقالة احتجاجا علي دسائس دنلوب ضد وزير المعارف الوطني سعد زعلول مما فضح أمام الرأي العام سياسة التعليم الحولاء التي جرت عليها سلطات الاحتلال‏!..‏
    لا يملك المرء حين يتأمل في سيرة المحامي مصطفي كامل‏,‏ إلا أن يتساءل وهو ينظر حزينا الي حال الأمة العربية‏,‏ هل بات مستحيلا أن يخرج من باطن الأمة وطني غيور يجعل همه كله أن يوقظ بعثا تعبر به الأمة العربية من هاوية الهوان واليأس والشتات الي حيث يليق بها أن تكون؟‏!
    عن تشييع جنازة المحامي مصطفي كامل باعث النهضة الوطنية‏,‏ كتب يحيي حقي أحد نجباء الحقوقيين‏,‏ وأعلام الفكر والأدب ـ يقول‏::‏ لا يشفع لي في العودة من جديد الي الرمز‏(‏ مصطفي كامل‏)‏ الذي اتخذته للعهد السابق إيمانا معي بأن من انغرزت رجله في هذا الشرك لا تنفلت منه بسهولة‏..‏ بقايا طلقاء السجون من أشلاء دنشواي يحملون نعشا وتارة علي البلاد‏,‏ خفيفا كالنسيم‏,‏ يضم روحا لا جسدا‏,‏ لفتي كان جهاده هو الذي فك عنهما لأغلال يخوضون به بحرا لجيا من أهل الريف والقاهرة‏!‏
    قبل أن يفارق مصطفي كامل‏,‏ كان خليفته محمد فريد يمسك بيده علي الراية كي لا تسقط‏..‏ سبق مصطفي كامل في الميلاد بست سنوات‏,‏ فولد بالقاهرة‏1868/1/20,‏ وسبقه في التخرج في مدرسة الحقوق بسبع سنوات‏(1887),‏ بيد أن تجرده المتعبد للقضية الوطنية وإيمانه بعبقرية مصطفي كامل‏,‏ جعلاه يقترب من هذا الزعيم بحب‏,‏ وينضوي تحت لوائه بلا تردد‏..‏ ما لبث محمد فريد بعد تخرجه ان استقال‏1896‏ من وظيفة القضاء الرفيعة التي هيأه لها انتماؤه الإرستقراطي‏,‏ وانطلق ليخوض غمار المحاماة ويواصل في بحبوحتها كتاباته التي بدأها للصحف لتحريك القضية الوطنية‏..‏ بيد أن اباه الارستقراطي‏:‏ أحمد باشا فريد‏,‏ صدم بترك نجله للقضاء‏,‏ وانتقاله الي المحاماة التي لم تكن في ذلك الأوان كما صارت بعد ذلك بجهود هؤلاء العظماء الذين نحتو في الصخر‏,‏ وأرسوا دعائم وتقاليد وفنون ومكانة المحاماة‏..‏
    واقع الأمر أن لإستقالة محمد بك فريد من النيابة‏,‏ واشتغاله بعدها بالمحاماة‏,‏ قصة بالغة الدلالة علي الوطنية الأصيلة في هذا الفارس النبيل‏,‏ قدم بها أوراق اعتماده للحركة الوطنية ومن قبل أن تتصل حبال الود بينه وبين مصطفي كامل الذي لم يكن قد تخرج آنذاك إلا من عامين‏..‏ كان محمد فريد عام‏1896‏ وكيلا لنيابة استئناف القاهرة حين اثيرت علي مسرح الاحداث قضية جريدة المؤيد الوطنية التي كانت قد ظهرت للرد علي جريدة المقطم التي يمولها ويوجهها الإنجليز‏..‏ كانت سلطات الاحتلال تتربص الدوائر بجريدة المؤيد وبصاحبها الشيخ علي يوسف‏,‏ فانتهزت فرصة قيامها في‏1896/7/28‏ بنشر برقية وافاها بصورتها عامل التلغراف توفيق كيرلس صادرة من اللورد كتشنر سردار الجيش المصري عن أحوال الحملة علي دنقلة بالسودان‏,‏ وفيها عدد الوفيات والاصابات في الحملة في كل من كروسكو وحلفا‏,‏ فثارت ثائرة سلطات الاحتلال وزجت بالموضوع الي النيابة طالبة التحقيق واتهام توفيق كيرلس موظف تلغراف مكتب الازبكية والشيخ علي يوسف صاحب المؤيد‏,‏ بيد ان وكيل النيابة محمد فريد جاهر بتعاطفه ومال الي حفظ القضية‏,‏ وتابع تعاطفه حينما فرضت السلطات إحالة القضية حيث نظرت ابتدائيا امام محكمة عابدين الجزئية‏,‏ وفيها دافع الأستاذ ابراهيم الهلباوي عن توفيق كيرلس والأستاذ احمد الحسيني عن الشيخ علي يوسف‏,‏ فصدر الحكم بمعاقبة توفيق كيرلس بالحبس ثلاثة اشهر‏,‏ وبراءة الشيخ علي يوسف‏,‏ فجن جنون سلطات الاحتلال‏,‏ وصبت جام غضبها علي القاضي محمود خيرت الذي اصدر الحكم‏,‏ وعلي وكيل النيابة محمد فريد وطلبوا من النائب العام نقله الي إحدي نيابات الوجه القبلي‏,‏ فصدر القرار في نوفمبر‏1896‏ بنقله الي نيابة بني سويف علي أن يكون مقره في مغاغة‏,‏ فقدم محمد بك فريد استقالته انحيازا للحركة الوطنية واحتجاجا علي ما رآه ماسا باستقلال القضاء والذي ضرب بدوره مثلا بالغ الوطنية حيث أيدت المحكمة الاستئنافية براءة الشيخ علي يوسف وقضت أيضا ببراءة موظف التلغراف توفيق كيرلس‏.‏ حين ترك محمد فريد القضاء احتجاجا علي المساس باستقلاله واختار المحاماه سبيلا يعينه علي خدمة القضية الوطنية‏,‏ لم يبال بالنظر الذي كان سائدا آنذاك بين الناس للمحاماة التي لم تكن قد نظمت بعد‏,‏ وعرف كما عرف معاصروه الذين وضعوا الأساس وأقامواصرح المحاماة‏,‏ أنها باب كبير لخدمة القضية الوطنية ومعالجتها بما تحتاجه من قوة وحجة وبيان وبرهان‏.
    واقع الأمر أن اهتمام محمد فريد بالقضية الوطنية‏,‏ كان سابقا علي اشتغاله بالمحاماة‏..‏ تدل علي ذلك مذكراته الوافية المتابعة للأحداث الوطنية والتي بدأ في كتابتها منذ عام‏….1899‏ في ذلك العام كان مصطفي كامل في بداية عهده بدراسة الحقوق‏,‏ وكان محمد فريد قد أمضي وكيلا للنيابة أربع سنوات‏…‏ سجل بمذكراته عام‏1896‏ عن استقالته يقول‏:‏ وبذلك تخلصت من خدمة الحكومة التي لاتقبل إلا كل خاضع لأوامر الانجليز ميت الإحساس غير شريف العواطف‏!…‏ بيد أن محمد فريد لم يكن من الذين يستسلمون لرغاب سلطات الاحتلال‏,‏ فبدأ وهو طالب يخوض غمار الحركة الوطنية ويكتب في مجلة الآداب التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف في عامي‏1888/1887‏ تحت توقيع م‏.‏ف‏!‏ ولم يكتف بكتاباته في الصحف الوطنية‏,‏ واستثمر عضويته في الجمعية الجغرافية في القيام برحلات في البلدان العربية والأندلس بدأت الصلة بين محمد فريد ومصطفي كامل تحديدا في عام‏1893….‏ روي ذلك محمد فريد في خطبته‏14‏ فبراير‏1908‏ بمناسبة توليه زعامة الحزب الوطني القديم خليفة لمصطفي كامل‏.‏ أنهما تعارفا أيام أنشأ مجلة المدرسة‏(1893),‏ ثم تأكدت الصداقة بينهما منذ سنة‏1895‏ حيث تقابلا بباريس قبيل أن يلقي مصطفي كامل خطبته بمدينة تولوز في‏4‏ يوليو من تلك السنة‏,‏ فصارا صديقين حميمين وزميلين مخلصين في الجهاد‏,‏ وتعاهدا ومعهما الدكتور محمود لبيب محرم سنة‏1896‏ علي خدمة الوطن حتي الممات‏,‏ وشرع ثلاثتهم في تأسيس جريدة أسبوعية باللغتين الفرنسية والألمانية للفت أنظار العالم الغربي إلي القضية المصرية‏,‏ وولي إدارة الجريدة الشاب الألماني هانس رزنر‏,‏ واستمرت في الظهور حتي وفاته‏,‏ فترجم الثلاثة المتعاهدون إلي العربية كتابه عن مصر والاحتلال‏.‏
    ‏…‏ وكما طغت القضية الوطنية علي عمل مصطفي كامل بالمحاماة‏,‏ طغت أيضا علي نشاط رفيقه محمد فريد بها‏…‏ لم تشغله القضايا الفردية عن الواجب الوطني الكبير‏,‏ وعرف عنه عزوفه عن قبول إلا مايتفق مع الحق‏,‏ أما الحق الأكبر‏,‏ وإيمانه بالمحاماة رسالة إليه‏,‏ فقد عبر عنه في المقدمة التي سطرها لكتاب علي فهمي كامل بك عن سيرة الزعيم مصطفي كامل‏.‏ فطفق فيها يقول عن مقومات الزعيم والزعامة أنها‏:‏ سرعة الخاطر مع العلم الصحيح وقوة الخطابة مع الصراحة التامة والإفصاح بلغة صحيحة سهلة مؤثرة‏….‏ ثم يضيف‏:‏ ليست عظمة الرجال مقصورة علي فتح المدائن أو تحرير الأوطان بالسيف والنار‏.‏ فإن هناك رجلا أعظم من كل الرجال‏..‏
    بوفاة الزعيم مصطفي كامل في فبراير‏1908,‏ آلت أعباء الزعامة وقيادة الحركة الوطنية إلي رفيق نضاله محمد بك فريد‏,‏ فاجتمعت الجمعية العمومية للحزب الوطني صباح الجمعة‏14‏ فبراير‏1908‏ بدار اللواء‏.‏ لانتخاب رئيس الحزب‏,‏ في حضور غفير لأعضاء الحزب من القاهرة والثغور والأقاليم‏,‏ حيث تولي رئاستها احمد فائق باشا احد وكيلي الحزب‏,‏ وبدأها محمد فريد بخطبة تأبين للزعيم الراحل‏,‏ أسالت الأشجان والعبرات‏,‏ وأنتهي الاجتماع بانتخاب محمد فريد زعيما للحزب بالإجماع‏,‏ وعلي فهمي كامل وكيلا في الموقع الذي خلال بتعيينه رئيسا‏,‏ وانتخب أحمد بك لطفي المحامي الشهير عضوا بلجنة إدارة الحزب‏,‏ بيد أن محمد بك فريد لم يشأ للاجتماع ان ينفض قبل ان يطلب من الجمعية العامة المجتمعة تعديل لائحة الحزب‏!‏ وقبل ان يفيق المجتمعون من دهشتهم بادرهم محمد فريد يقول‏:‏ إن المادة الأولي من لائحة الحزب تقضي بانتخاب الرئيس مدي الحياة‏….‏ انطلقت اصوات تتنادي بأنهم قد انتخبوه رئيسا مدي الحياة‏,‏ ولكنه قاطعهم في حزم‏,‏ إن هذا النص امتياز خاص بالمغفور له مصطفي كامل باشا‏,‏ ولم يتوان محمد فريد‏,‏ أو يدع للاعتراض سبيلا‏,‏ فطفق يطلب تعديل النص بوضع مدة محددة لانتخاب الرئيس فكان له ما أراد وقررت الجمعية جعل مدة الأنتخاب ثلاث سنوات كانتخاب أعضاء اللجنة الإدارية للحزب‏,‏ ليعود الأمر بعدها إلي الجمعية لتنتخب من تشاء‏.
    صدق الأستاذ الكبير المحامي المؤرخ عبد الرحمن الرافعي‏,‏ حين أطلق علي محمد فريد‏,‏ في مطوله الذي ألفه عنه‏,‏ أنهرمز الإخلاص والتضحية‏..‏ كلما مضينا مع سيرة محمد فريد‏,‏ تأكد لنا موافقة هذه التسمية للحقيقة‏..‏ في جسارة غير هيابة استلم الراية بعد مصطفي كامل‏,‏ ورأيناه يبدأ زعامته‏,‏ وقبل أن ينفض اجتماع انتخابه‏,‏ بإرسال برقية الي وزير خارجية انجلترا يجدد فيها الاحتجاج علي احتلال القطر المصري بلا حق‏,‏ والعزم علي مقاومة هذه الاحتلال علي خط سلفه العظيم‏..‏ فلم تنقض عشرة أيام‏,‏ حتي اجتمع في‏1908/2/24‏ باللجنة الادارية للحزب لتصدر قرارا بالمطالبة بإلغاء المحكمة المخصوصة التي أسست فبراير‏1895‏ واضطلعت في يونيو‏1906‏ بأحكام مأساة دنشواي‏,‏
    ثم يحتج احتجاجا شديدا علي تصريحات وزير الحربية البريطانية اللورد هلدين بمجلس العموم في رده علي أحد الاعضاء الذي طلب تخفيض جيش الاحتلال في مصر والهند وأفريقية الجنوبية‏,‏ وأبدي فيها تذرعا بما سماه وقوع اختلافات جنسية او دينية في مصر مما يستدعي‏-‏ فيما صرح به‏-‏ بقاء جيش الاحتلال بها‏,‏ وأبدي محمد فريد في احتجاجه أن الامة كلها متحدة وأنها علي قلب رجل واحد في وجوب الجلاء عن البلاد‏,‏ فلما سكتت الحكومة المصرية علي تصريح لذات وزير الخارجية البريطانية بمجلس العموم في ابريل‏1908‏ يعرض فيه تعريضا سافرا بتبعية الوزراء المصريين للمستشارين الانجليز والي المعتمد والحكومة البريطانية‏-‏ أطلق محمد فريد صيحته مطالبا الوزارة المصرية بالاستقالة‏,‏
    ناعيا عليها قبول هذا الهوان ان يكون الوزراء المصريون موظفين تابعين يتلقون الاوامر من الحكومة البريطانية ورجالها‏!‏ أدرك محمد فريد‏,‏ ما أدركه سلفه مصطفي كامل‏,‏ أن معركة الاستقلال ليست ببعيدة عما يجري من المتخاذلين في مصر الذين ارتضوا التبعية الخفية او الظاهرة لسلطات الاحتلال‏,‏ ومنهم من تعاون معها سرا وعلانية‏!..‏ حتي الخديو الذي كان يظهر تعاطفا مع الحركة الوطنية‏,‏ استبان انه كان تعاطفا مغرضا بدأ يتراجع مع اقبال الخديو علي توطيد صلاته بملك انجلترا وحكومتها‏,‏ ثم تطور الي ارتياح كامل لاستقالة اللورد كرومر في ابريل‏1907‏ وتعيين السير إلدون جورست خلفا له‏,‏ بدأت تظهر معه بوادر سياسة وفاق اوجس منها مصطفي كامل خيفة‏,‏
    وبدأ يبتعد عن الخديو‏,‏ وكتب في‏23‏ اغسطس‏1907‏ رسالة الي رفيق كفاحه محمد فريد يقول فيها‏:‏ أرجوك عدم تفخيم الخديو فقد علمت عنه ما لا يسر‏,‏ ولابد ان تضر السياسة ذات الوجهين ضررا كبيرا‏,‏ وكلما كان عمل الوطنيين بعيدا عنه كان الفلاح محققا‏..‏ لذلك كان محمد فريد حذرا حصيفا حين لقائه بالخديو يوم انتخابه خليفة لمصطفي كامل في رئاسة الحزب الوطني‏(‏ القديم‏),‏ فرفض عرضه مساعدة الحركة الوطنية بالمال‏,‏ وكتب محمد فريد في مذكراته‏(‏ ص‏4-‏ الرافعي ص‏79)‏ تعقيبا علي ذلك‏:‏ فرفضت حتي لا أكون أسيره وطوع أمره‏,‏ وانصرفت‏,‏ رأي الرجل عقب ذلك بأني لست ممن يطيعون أوامره طاعة عمياء‏,‏ فأخذ يدس الدسائس لاسقاطي من جهة‏,‏ ويظهر لي التودد من جهة أخري‏!‏
    شرع محمد فريد يكتب تحت عنوان‏:‏ ماذا يقولون؟‏-‏ سلسلة من المقالات الشديدة في التعريض بالخديو وسياسته الجديدة‏,‏ وكشف فيها التخوف من تكرار زيارات السير الدون جورست لسراي عابدين شبه اليومية‏,‏ بينما تخفق قلوب المصريين كافة بالحصول علي الدستور الذي أخذ الحزب الوطني يجمع التوقيعات من الامة علي عرائض للمطالبة به‏,‏ ولم يتحرج ان يبدي أن القائلين يقولون ان قصد الخديو من التعاطف السابق الذي كان يظهره للحركة الوطنية انما كان محاربة اللورد كرومر شخصيا‏,‏ لا محاربة الاحتلال ولا تأييد المصريين وأنه استعمل رجال الحركة الوطنية لهذا الغرض‏,‏ فلما رحل كرومر تبدل موقفه وأخذ يقف أمام مطالب الامة في الجلاء والدستور‏!!
    اهتاجت خواطر الخديو وسلطات الاحتلال للمقالات الشديدة التي أخذت تنشرها جريدة اللواء من مارس‏1908‏ نقدا للخديو وللصنائع ولسياسة الوفاق مع الانجليز‏,‏ فأضمروا السوء للجريدة وللشيخ عبدالعزيز جاويش الذي كان محمد فريد قد اختاره لرئاسة تحريرها‏,‏ وأخذوا يتحينون ويختلقون الذرائع والفرص للعصف بالجريدة وبالشيخ جاويش وبمحمد فريد إن طالوه‏!!‏ كانت الذريعة الأولي فيما نشرته اللواء عن حادثة بلدة الكاملين بالسودان‏,‏ وتجريد الحكومة قوة من الجيش نكلت بالثوار وزعيمهم الشيخ عبدالقادر‏,‏ وقتلت كثيرين من أتباعه‏,‏ وقدمتهم للمحاكمة حيث صدرت أحكام بإعدام كثيرين علي رأسهم الشيخ عبدالقادر‏,‏ وسجن آخرين‏,‏ ونشرت جريدة اللواء أخبار ذلك في عددها‏28‏ مايو‏1908‏ تحت عنوان‏:‏ دنشواي أخري في السودان‏!!..‏
    فلما أرسلت وزارة الحربية تصحيحا لأرقام المحكوم بإعدامهم‏,‏ وأظهرت الجريدة في عددها‏31‏ مايو‏1908‏ تشككها في التصحيح‏,‏ سارعت سلطات الاحتلال لتدفع الأمور لمحاكمة الشيخ جاويش بتهمتي‏:‏ إهانة وزارة الحربية‏,‏ ونشر أخبار مثيرة للخواطر‏..‏ وسورع بالقضية والشيخ المتهم إلي محكمة عابدين الجزئية‏,‏ وتصدت المحاماة للدفاع عن الشيخ جاويش وفي‏4‏ أغسطس‏1908‏ صدر الحكم ببراءة الشيخ جاويش من تهمة إثارة الخواطر بنشر خبر كاذب‏,‏ وبتغريمه عشرين جنيها عن تهمة إهانة وزارة الحربية‏,‏ فاستأنف الحكم واستأنفته النيابة لتغليظ العقوبة‏,‏ ولكن محكمة الجنح المستأنفة قضت في‏30‏ أغسطس‏1908‏ برئاسة محمود بك رشاد رئيس محكمة مصر‏,‏ وعضوية محمد بك عبداللطيف وزكي بك أبو السعود ـ ببراءة الشيخ عبدالعزيز جاويش من التهمتين‏,‏ لتواصل الحركة الوطنية ومعها رسالة المحاماة والحقوقيون نضالها‏,‏ في مقاومة وإجلاء الاحتلال‏.‏ ومع استمرار الزخم الذي يدفعه الحزب الوطني القديم الي الساحة مقاومة للاحتلال ولموافقات السراي‏,‏ وتراجعات الحكومة‏,‏ طفقت الأمة تنظر بغير عين الرضا‏,‏ بل وبالرفض والامتعاض‏,‏ إلي إقبال الخديو علي حضور الاستعراضات الانجليزية التي تقام في ميدان عابدين‏,‏ والوقوف تحت العلم البريطاني إلي جوار المعتمد‏,‏ فلما حمل عليه مصطفي كامل والقوي الوطنية بشدة‏,‏ تراجع عن حضور العرض في نوفمبر عامي‏1907,1906,‏ ولكن مع اقتراب نوفمبر‏1908‏ مصحوبا بهبوب رياح سياسة الوفاق بين الخديو والسلطات البريطانية‏,‏ خشي محمد فريد أن يرتد الخديو إلي سابق عهده‏,‏ فبادر محمد فريد إلي توجيه تحذير استباقي إلي الخديو من حضور الاحتفال وجرح الشعور الوطني الذي يتأذي من وقوف حاكم البلاد الي جانب المعتمد تحت علم الانجليز ووسط التهاب الشعور الوطني‏,‏ خرج طلبة الحقوق‏,‏ بذور الحقوقيين المشغولين بهموم الوطن ـ خرجوا في مظاهرة وطنية يوم العرض الموافق‏9‏ نوفمبر‏1908,‏ وتعالت هتافاتهم بميدان عابدين بطلب الاستقلال‏,‏ فتنادت إليهم الجماهير مرددة هتافاتهم بالاستقلال والحرية‏.‏ كان العهد قد طال بوزارة مصطفي فهمي باشا التي استمرت أكثر من ثلاثة عشر عاما واتسمت سياستها بالاستسلام والولاء للاحتلال البريطاني‏,‏ حتي ضاقت النفوس وانشقت الصدور‏,‏ فلجأ المحتل والصنائع إلي امتصاص الغضب بتغيير الوزارة‏,‏ ولكن الأمر بدا وكأنه محض استعانة علي الرمضاء بالنار‏..‏
    ففي‏12‏ نوفمبر‏1908,‏ عهد الخديو الي بطرس باشا غالي الموالي تماما للانجليز‏,‏ وسفير سياسة الوفاق بين الخديو وبينهم‏,‏ برئاسة الوزارة التي كان وزيرا للخارجية في سابقتها‏,‏ فاحتفظ لنفسه بمحفظتها إلي جوار رئاسته للوزارة‏,‏ والتي استمر فيها من الوزارة السابقة‏:‏ الحقوقي سعد باشا زغلول‏,‏ ودخلها أربعة وزراء جدد‏,‏ ثلاثة منهم من الحقوقيين‏:‏ حسين رشدي باشا للحقانية‏,‏ ومحمد سعيد باشا للداخلية‏.‏ وأحمد باشا حشمت للمالية‏,‏ فضلا عن المهندس اسماعيل باشا سري‏..‏ ومع هذا التشكيل الذي شمل أنصارا للنظام الدستوري أمل الشعب خيرا‏,‏ بيد أن الأمل سرعان ماخب اوانطفأ حين استبان أن الوزارة الجديدة وليدة سياسة الوفاق لا الكفاح‏.‏
    في‏25‏ ديسمبر‏1908,‏ اجتمعت الجمعية العمومية للحزب الوطني‏(‏ القديم‏),‏ في مؤتمر وطني حاشد بزعامة محمد فريد‏,‏ انتهي إلي تشكيل لجنة من عشرة من أعضاء المؤتمر‏,‏ كلهم من المحامين والحقوقيين بعامة‏,‏ ولم ينفض المؤتمر قبل أن يصدر بالإجماع قرارين حملتهما عريضة تجدد الاحتجاج علي الاحتلال الانجليزي‏,‏ وتطالب بإعادة الدستور والمجلس النيابي للبلاد‏.
    تدل مراجعة الحركة الوطنية من أولويات القرن الماضي‏,‏ بدءا من مصطفي كامل ومحمد فريد اللذين بدآ حركتهما من أواخر القرن التاسع عشر ـ علي أن المحاماة‏,‏ والحقوقيين بعامة ـ كانوا المحرك الحقيقي الفاعل المؤثر في الحركة الوطنية‏..‏ وتوقفي في رصد الحركة الوطنية عن دور المحاماة والحقوقيين‏,‏ وان كان ينطلق من انتماء لا أنكره‏,‏ إلا أنه يصيب في معني عام هو بيان المكنات والقدرات والمؤهلات والمواهب التي تلزم المتصدين للحركات الوطنية‏.‏
    في مذكرته‏(‏ ج‏/1513‏ ـ‏161)‏ يكشف أحمد شفيق باشا الذي كان رئيسا للديوان الخديوي‏,‏ كثيرا مما كان يجري وراء الكواليس بين الخديو والانجليز‏,‏ وكيف كان توجسهم من الحزب الوطني الذي يؤجج الشعور الوطني‏,‏ وترصدهم له ولزعيمه محمد فريد‏,‏ وما صاحب تشكيل الوزارة الجديدة‏(1908)‏ من تدخل الانجليز في الترجيح لرئاستها بين فخري باشا وبطرس باشا غالي الذي استقر عليه الأمر في النهاية‏,‏ وكيف أبدي المعتمد البريطاني جورست أنه مع استيائه الشديد لجفاء اخلاق وتكبر سعد باشا زغلول وقسوة كلامه ـ مثل الحجر ـ علي حد تعبيره‏,‏ فإنه لايري خروجه في الوزارة الجديدة مخافة توابع خروجه مع الخارجين‏,‏ وعلي أن يدبروا لإخراجه من الوزارة بعد شهرين أو ثلاثة‏,‏ ولكن الخديو طفق يطمئنه بأن بطرس باشا غالي قال له‏:‏ إذا طلب الإنجليز إبقاء سعد‏,‏ فاتركه لي وأنا أعرف ما أفعله لخروجه‏!‏
    كان الرفض الوطني لرئاسة بطرس غالي للنظار كبيرا‏,‏ وفي‏14‏ نوفمبر‏1908‏ وصلت الخديوى رسالة تهديد ـ لتعيينه ـ بإمضاء أحد رجال جمعية الانتقام المصري وطالبته بعزله من رئاسة المحكمة المخصوصة‏,‏ فعزا الخديوي هذه الرسالة الي تدبير اتباع محمد فريد الذي صار شوكة في حلق الخديوي وسلطات الاحتلال والمتعاونين معهم‏,‏ حتي تصاعدت الأزمة بين الحزب الوطني والخديوي الذي اعتبر مقالات محمد فريد بجريدة اللواء تلميحا الي خيانته للوطن‏(‏ أحمد شفيق باشا جـ‏3‏ ـ‏169)!!‏ وما إن جاءت ذكري توقيع اتفاقية السودان التي كان قد وقعها بطرس غالي في‏1899/1/19‏ إبان ان كان ناظرا للخارجية‏,‏ حتي جدد محمد فريد ـ في‏1909/1/19‏ ـ احتجاجه علي الاتفاقية وبعث به الي الخديوي والحكومة وطيره الي العالم وإلي وزير الخارجية البريطانية‏,‏ فتحالف الخديوي والاحتلال علي قمع الحركة الوطنية متمثلة في محمد فريد وإصدارات الحزب الوطني التي أججت مقالاتها مع خطبه الشعور الوطني‏,‏ وأدت الي اندلاع مظاهرات الشعب في مارس‏1909..‏ وإزاء هذا الزخم‏,‏ تفتق ذهن الوزارة علي إعادة قانون المطبوعات لتكميم الصحافة‏,‏ وأصدرت في‏1909/3/35‏ قرارا بإعادة قانون المطبوعات القديم الصادر‏1881/11/26‏ إبان الثورة العرابية‏,‏ فسارعت اللجنة الإدارية للحزب الوطني ـ وكلها تقريبا من المحامين والحقوقيين ـ الي الاجتماع والاحتجاج بذات يوم صدور القرار الذي يخول نظارة الداخلية حق إنذار الصحف‏,‏ وتعطيلها مؤقتا أو نهائيا‏,‏ ودون محاكمة أو دفاع‏,‏ وطير محمد فريد هذا الاحتجاج الي العالم‏,‏ وفي حديثه الي جريدة كورييه ديجيبت كشف محمد فريد مثالب هذا القانون والمآرب المخططة وراء إعادة العمل به‏,‏ ناعيا علي الوزارة وعلي بطرس باشا غالي هذه النكسة المدمرة لحرية الصحافة‏!!‏
    حاول الشيخ علي يوسف في مقابلة له مع الخديوي يوم‏1909/3/19‏ اثناءه عن هذا الاتجاه فأخفق‏,‏ في الوقت الذي عارض اصداره الوزيران محمد سعيد باشا وحسين رشدي باشا حتي كاد الخديوي يرجع عما أزمعه‏,‏ ولكنه عاد فأحالهما علي رئيس النظار بطرس غالي الذي أبدي تمكسا بما يريد وضيقا من تجاوز النظار له وحديثهم مباشرة مع الخديوي‏,‏ ولم يشأ بطرس باشا ان يتزحزح عن موقفه فتمسك النظار الثلاثة‏..‏ سعد زغلول باشا ومحمد سعيد باشا وحسين رشدي باشا بمعارضتهم‏,‏ وأبدوا استعدادهم للاستقالة التي جاهد الخديوي لإثنائهم عنها‏..‏ ومضي الأمر رغم اعتراض النظار الثلاثة حتي اضطر سعد زغلول ان يبدي في نهاية الاجتماع عدم ارتياح ضميره الي اصدار هذه اللائحة التي غلبوا فيها علي أمرهم‏!!‏ فما إن صدر القانون ونشر بالوقائع الرسمية في‏1909/3/27‏ ـ حتي التهب الشعور الوطني واندلعت المظاهرات وحملت جريدة اللواء حملة عنيفة شعواء علي القانون الذي يقبر حرية الصحافة‏!‏ حتي كاد مجلس شوري القوانين بجلسة‏1909/4/13‏ أن يقبل اقتراح علي شعراوي باشا مؤيدا بثمانية من الأعضاء بإلغاء قانون المطبوعات‏,‏ لولا الهجوم المضاد الذي قاده مقار باشا عبد الشهيد وحصل علي أغلبية للإبقاء علي القانون بغير إلغاء أو تعديل ولتكسب الوزارة وسلطات الاحتلال سلاحا للضغط به علي الصحف وعلي حرية الصحافة‏!


    _________________
    حسام الدين منير

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017, 10:53 am